ترسيم الحدود يبقى محور اهتمام لأنه جزء من القرار 1701
الدول الكبرى مهتمة بطرق تنفيذ سوريا لالتزاماتها
هل يساهم انفتاح القيادات اللبنانية مجددا على دمشق في إبطال الضغوط التي كانت تمارس عليها في الاعوام الاخيرة من اجل التزام قواعد احترام لبنان وسيادته؟ وهل يكون هذا الانفتاح الذي شكلت زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري للعاصمة السورية باكورته، على ان تتبعها زيارة النائب وليد جنبلاط لاحقاً، سبباً لتزيح الدول الغربية عن كاهلها مهمة المطالبة بحقوق لبنان من سوريا في ظل ذرائع يمكن ان ترفعها هذه الاخيرة انها يمكن ان تحل موضوع العلاقات بين البلدين من دون وسطاء آخرين، على ما فعلت بالنسبة الى محاولة الغاء مهمة تيري رود – لارسن في متابعة تنفيذ القرار 1559، وتاليا القرار 1680 الذي يتحدث عن العلاقات بين لبنان وسوريا من ضمن دولتين ذواتي سيادة؟
مصادر ديبلوماسية في بيروت تكشف ان الدول الكبرى المعنية بلبنان تابعت عن كثب الزيارة التي قام بها الرئيس سعد الحريري واطلعت منه على فحوى زيارته التي يؤمل في ان تُترجم الى حل للمسائل العالقة بين البلدين، وخصوصا على صعيدَي ايجاد حل واضح وشفاف لموضوع المفقودين اللبنانيين في السجون السورية وترسيم الحدود. الا ان واقع الامور ان لا اوهام لديها حول انجاز كبير تحقق خلال هذه الزيارة، بغضّ النظر عن الاستقبال والحفاوة اللذين خص بهما الرئيس السوري ضيفه. فهذه الدول تنتظر الترجمة العملية لهذين الموضوعين في الدرجة الاولى، وتُوْلي موضوع الحدود بين لبنان وسوريا الاولوية، من زاوية التعبير عن مدى التغيير الذي بدأت تعتمده دمشق، اذا كان ثمة تغيير حقيقي، ترجمةً لما قاله الرئيس السوري في الاسابيع الاخيرة. والنقطة الاولى التي تعلق عليها هذه المصادر الديبلوماسية التي تعود الى دولة كبرى هي موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، باعتبار ان ثمة قرارا إجماعيا لبنانيا حول هذا الموضوع اتخذ على طاولة الحوار وتم تأكيده في البيان الوزاري، وينتظر فقط التعاون لتنفيذه من جانب دمشق. فهل تتعاون دمشق في شأنه في المدى المنظور أم تبقى الامور على ما هي؟ والسؤال المتعلق بهذه النقطة ينحسب على النقاط الاخرى التالية، لأن التجربة الغربية مع سوريا لا تزال غير مشجعة حتى الآن، رغم الانفتاح الذي حصل. والارتكاز في الحكم على هذه الامور لا يتصل فقط بموضوع لبنان، بل لان للدول الغربية جملة قضايا للبحث مع سوريا تعاونت الاخيرة في شأنها جزئيا او نسبيا، كما في شأن الحدود مع العراق وضبطها او في موضوع " حماس"، مما لا يشجع على التفاؤل بأن الامور قد تختلف كثيرا بالنسبة الى لبنان ما لم تثبت سوريا ذلك فعلا.
والمسألة الثانية لا تتعلق بترسيم الحدود في شكل خاص لاعتبارات تتعلق بالتداخل الحاصل في مناطق عدة، بل تكمن في مدى تعاون سوريا في النقاط المتعلقة بضبط الحدود من أجل منع تهريب الاسلحة في الدرجة الاولى ثم سائر انواع التهريب، وتاليا عبور اشخاص يتعين مراقبتهم. ومعلوم ان بعض الدول الاوروبية والاتحاد الاوروبي ساهما بنسب كبيرة في تقديم المعدات من اجل مراقبة النقاط الحدودية بين لبنان وسوريا، وأقيمت نقاط مراقبة عدة على الحدود بين البلدين بالتعاون مع خبراء من دول اوروبية، الا ان هذه الخطوة ظلت قاصرة عن تأمين ما يلزم، لأن الاجراءات التي رغب لبنان في فرضها على الحدود بعدما أرسى القرار 1701 واقعا جديدا لا يتعلق بالحدود بين لبنان واسرائيل فحسب، بل يتناول ايضاً موضوع تهريب السلاح خصوصا عبر الحدود مع سوريا، تحتاج الى تعاون سوري ظل مفقوداً في الاعوام الأخيرة. حتى ان سوريا رفضت قبل اعوام قليلة التعاون مع لجان اوروبية توجهت الى العاصمة السورية لعرض التعاون والمساعدة في هذا الاتجاه، علما ان المسألة لا تعني اقامة حواجز بين البلدين، بل على العكس من ذلك، بما يفيد البلدين معا، كما هي الحال على الحدود بين المانيا وفرنسا مثلا. وتالياً، فان السؤال يتناول ابعد من موضوع ترسيم الحدود التبسيطي وفق ما يتم تداوله، الى ما يهمّ الدول الكبرى، أي ضبط الحدود لوقف تهريب السلاح، علما ان موضوع تنفيذ القرار 1701 لا يزال يشكل اساسا في التعامل الدولي مع لبنان كما مع اسرائيل، ولن تألو الدول الكبرى المعنية جهدا في استمرار الاصرار على هذا الموضوع في حوارها مع سوريا، بمعنى انها لن تتركه، كما تقول هذه المصادر، بذريعة ان لبنان لم يعد اولوية في اهتمامات الدول، وان العلاقة الثنائية المستعادة بين لبنان وسوريا ستحول دون ابقاء هذه النقاط من ضمن أي محاور بحث مع دمشق، علما ان هذا المنطق ستتذرع به الاخيرة. ومن غير المستبعد وفق المصادر ان تعيد الدول المعنية التذكير بأهمية ذلك في وقت قريب، إنْ من خلال العودة الى الاصرار على تنفيذ القرار 1701 او القرار 1559، خصوصاً ان موضوع عدم تناول الدول الكبرى هذا القرار أدى الى موقف مستغرب جدا لوزير الخارجية علي الشامي الذي فهم بعد مشاركته في زيارة الرئيس ميشال سليمان لواشنطن وعدم اثارة الرئيس الاميركي القرار ان الادارة الاميركية باتت تعتبره في حكم المنتهي، فبادر الى ابلاغ سفراء الاتحاد الاوروبي في اجتماع معهم ان القرار بات في حكم الميت، مما اثار استغرابا كبيرا حول موقف لبنان الذي انتخب عضوا غير دائم في مجلس الامن، في حين يتجه الى الغاء قرار دولي بموقف أحادي منه. لكن الموضوع لم يتطور، نتيجة مسارعة رئيسي الجمهورية والحكومة الى لملمة الموضوع وعدم تمادي وزير الخارجية فيه، لكنه ذكر السفراء بوجوب اعادة ادراج تنفيذ القرار 1559 ربما من ضمن متابعاتهم لتنفيذ القرارات الدولية، ولو ان دولهم متفهمة للوضع اللبناني حول بحث سلاح "حزب الله" على طاولة الحوار، لئلا يفهم عدم ذكره تخليا عن بنوده او تمييعا للاهتمام الدولي بمتابعة هذه القرارات.