مصالحات دفن الذاكرة من الشويفات الى الرابية
«صلّوا على النبي، اولها محمد وآخرها علي».
بهذا الدعاء انهى المير طلال ارسلان وقائع الاحد الطويل في الشويفات، متمنياً ان يزيل آخر الرواسب، وما بقي عالقاً في الاذهان لدى اهل الجبل واهالي الضاحية من ذكريات اليمة في ليالي ايار الحزينة.
لان احداث تلك الليالي كادت ان تطيح بالكيان والميثاق وما بقي من الوحدة الوطنية.
يومها اعتقد اللبنانيون ان صراعاً يدور بين مشروعين واحد مقاوم وعضو فاعل في محو دول الممانعة، وآخر «يحب الحياة» انضوى في محور دول الاعتدال.
لكن لقاء الشويفات كشف بوضوح ان الجميع باتوا مؤمنين باله واحد، وان خلافاتهم السابقة كانت فقهية، وان الازمة التي عصفت بهم وبوطنهم خلال السنوات الخمس الاخيرة كانت حول ممارسة الطقوس، لكن اجتماع الشويفات وضع حداً للخلافات الطقسية خصوصاً حين بدأ المقرئ النائب علي حسن خليل تلاوة صلواته الايمانية قبل ان يسرد علينا وقائع خطبة رئيسه السياسية.
ففي أحد الشويفات، توحدّت الحسينيات مع الخلوات في ابهى مظاهر الوحدة، وفي الشويفات اجتمعت الباطنية مع التقية، ولم ينقصهما سوى الكاهن الذي حضّر على عجل او أُلبس زيّه بسرعة ليتوسط المشايخ الدروز والشيعة حتى تتجلى الوحدة الوطنية بأبهى صورها، واللبنانيون في تاريخهم الحديث منذ العام 1860 صور وعبر، كاهن يتأبط شيخاً ويتصوران سوية مسيرات الوحدة الوطنية وبقيت هذه الصورة تتراءى وتتوالى على المشاهدين اللبنانيين حتى سقط منهم اكثر من مئتي الف قتيل او شهيد، لا فرق، لانهم خرّوا صرعى فداءً للصور وللعبر، والمأساة مستمرة طالما ان الحبل والجرار يتفاعلان، يلتهمان المزيد نكاية بالخوري الذي يتأبط «حليفه» الشيخ، وطالما يكتشف المجتمعون في الشويفات ان خلاصهم في وحدتهم.
المشهد العام في الشويفات كان يفضح بما فيه، وثبت من خلاله للبنانيين ان مصالحات «تبويس اللحى» مستمرة، وهي لم تزل يوماً احتقان الشارع لان القلوب والعقول مشحونة، ولو كان لها اي مفعول ايجابي، «لتباوست اللحى» في الاعوام الخمسة الماضية، وكان الشهداء في كلا الفريقين الذين هم الآن عند ربهم، احياء بيننا يرزقون.
لكن النائب وليد جنبلاط يعرف الحكاية، نزع نظارتيه مراراً، وايماءته كانت بليغة عندما مرر اطراف اصابع يده الشمال على سالفه واذنه، موّفراً بذلك على البعض فضيحة الانف «البينوكي» الذي يطول ويطول.
لان جنبلاط العالق في الوسط، يعرف تماماً كلام النائب خليل عن بطولات معارك 6 شباط، والمدد الذي تدفق ليحقق سوية مع حركة امل الانتصار، كذلك يعرف جيداً معركة «العلمين» في شوارع بيروت ويتذكر، كما يتذكر اهالي بيروت بأن البارحة اشبه باليوم، وان «معارك العلمين» تشبه ليالي ايار الحزينة.
وتستمر اعمال الصيانة للسلم الاهلي، فتقوم الورش المتنقلة في الرابية بوصل «اشرطة الكيميا» المفقودة بين العماد عون والزعيم الجنبلاطي، فيتبادل الاثنان الاعجاب والقفشات وبعض النكات بطريقة محتمشة، لان برنامج «لول» على محطة الـ O.T.V يشهد حالياً هجوماً اصولياً، تكفيرياً، من سكان الكهوف والقرون الوسطى.
وفيما تجاهلا القصف المتبادل على جبهة سوق الغرب، وطائرة الهليكوبتر التي نامت ليلتين في الشوف بعد اختطافها، ثم اعادها جنبلاط بعدما حضّر عون كافة الطاقات النارية مهدداً، كذلك تناسى الاثنان عيتات والخيانات التي ادت الى سقوط الجيش في الشحّار.
ونسي الاثنان في معمعة قفشاتهما اجراس الكنائس، لينهمكا سويا في ترتيب المخارج اللائقة للمصالحة المستحيلة.
انتهى اللقاء الذي غصّ باركان الاشتراكي والتيار عن بكرة عديدهما ولم تنته علامات التعجب والاستغراب، فالذهول كان بادياً على القاعدة لدى جميع الاحزاب التي جيشت جماهيرها وحشدت اعدادها في الساحات، مشروع يقاتل مشروعاً، لتكتشف هذه الجماهير ان الجميع عند العرب هم صابون، وان الذي ادخل جنبلاط في محور الممانعة استطاع ايضا ان يدخل مروان حماده الى الرابية وقبلها الى الجاهلية.
وكي لا يرتبك القارئ ويعتبر ان لهذه الزاوية اهدافا مبيتة، تروّج لعدم المصالحة، فان القصد هو وقف برنامج النكات السمجة التي يطلقها بعض القادة، لان هذه النكات قاتلة، كادت تودي بحياة الجميع وتقضي على هذا الوطن، فلا نرى بين الجموع من ينادي بوقف هذا المسلسل المستمر منذ ايام العثمانيين الذين تربعوا في بلادنا 400 سنة فيما البعض الذين خلع عليهم لقب الشيخ او البك لا يزال ينكّت امام جمهوره حتى الآن.