كم تغار الضحية من الشهيد!
كانت المناسبة مثيرة في الشويفات لكن المشهد كان مؤثرا في بعض جوانبه: «لقد طويت الصفحات المؤلمة بتضحياتكم…
وبفضل عوائل الشهداء الذين ننحني لهم».
قالها النائب علي حسن خليل باسم الرئيس نبيه بري.
وكان كلام للنائب وليد جنبلاط ايضا عن الشهداء وعائلاتهم.
هؤلاء الضحايا الذين نطلق عليهم «رتبة» الشهادة من كان وراء «التضحية بهم» او وراء «استشهادهم» ذات يوم؟ وهل اذا قدّر لهم وعادوا الى هذا العالم «الفاني» سيختارون مجددا ان «يستشهدوا» بعدما رأوا ما رأوه في الشويفات وما قبلها وما سيرون بعدها على الارجح؟
هل هؤلاء المحسوبون على هذا وذاك وهل «عوائل الشهداء» خضعوا خاشعين امام المصالحة ام امام لعبة المصالح؟
كل المصالحات التي جرت على ارض لبنان منذ 1975 اي منذ ان كانت هناك حروب صغيرة في الزواريب الصغيرة لمصالح صغيرة في الداخل وكبيرة في الخارج.
وبعد كل جولة وجولة يقف المعزون في الصف ليبرّروا ما جنت ايديهم ويحضّروا الجماهير لتغفر لا لاعدائها بل لزعمائها فيكون تكريم الشهداء بعد كل جولة وجولة او بين كل انقلاب سياسي واخر نوعا من جائزة الترضية للأحياء لا للأموات…
لعلهم يرتضون!
شهداء ايار 2008، من كان وراء «تشهيدهم»؟ ألم يقل بعض الموجودين في لقاء الشويفات ان وليد جنبلاط هو الذي اطلق شرارة 7 ايار عندما دفع مجلس الوزراء آنذاك بالقوة الى القرارين الشهيرين والمتعلقين بـ سلاح الإشارة» وأمن مطار بيروت؟ واما جنبلاط نفسه فما كان يقوله في تلك الفترة مخوّنا معارضيه يقول اليوم ما يعاكسه ايضا…
مخوّنا معارضيه.
فهو يقول في لقاء الشويفات مثلا ان «العودة الى الملابسات التي سبقت 7 ايار لا فائدة منها الاّ في اثارة الغرائز عند بعض النفوس الضعيفة او الموتورة او المتآمرة».
وفي المبدأ هذا صحيح لكن التغطية على ظروف 7 ايار والقفز فوقها من دون سؤال عن الحيثيات والمسؤوليات قد يؤديان الى الوقوع فيها من جديد عند اي لحظة.
والعطل الاساسي الذي تتسم به الحياة السياسية اللبنانية هو ان الاخطاء لا تصلح والمخطئون لا يحاسبون بل يعودون هم انفسهم الى ممارسة لعبة «الابطال والحرامية» من دون حسيب او رقيب.
وكل مرة تصفّق الجماهير لهم وللذين «استشهدهم» هؤلاء الزعماء بكل طيبة خاطر!
حتى هؤلاء الزعماء يجدر ان يطرحوا على انفسهم سؤالا: من منكم بلا شهيد؟
من الناقورة الى العريضة العائلات السياسية دفعت الاثمان ايضا عندما كانت تفلت اللعبة من ضوابطها في الصراع الداخلي – الخارجي: آل الجميل لهم شهداؤهم وآل معوّض وآل فرنجية، وآل الحريري، وسواهم وسواهم.
واما الكتائب «والقوات اللبنانية» فلهما عشرات الألوف من الشهداء وكذلك العماد ميشال عون الذي قدّم الشهداء في 13 تشرين الاول 1990 فبقي شهداؤه سنوات تحت ملعب وزارة الدفاع فيما هو يطالب بنبش قبور ليس معلوما اذا كانت موجودة في اوتوستراد حالات انتقاما من خصومه السياسيين.
وهو يفتح صفحة مع وليد جنبلاط ايضا بعدما كان يأخذ على خصومه انهم حالفوه متجاوزين ما قام به خلال حرب الجبل بحق الناس والارض والكنائس.
هناك شهداء عندما تكون هناك قضية: المقاومون في وجه اسرائىل او في وجه اي قوة خارجية ارادت المسّ بالكرامة الوطنية ذات يوم.
عندئذ تصبح الشهادة رتبة قدسية طوبى لمن يستحقها، لكنها في الزواريب تكون قدرا موضوعا على الرّف في الاسواق السياسية بعد كل جولة من الصراع الاهلي.
مع كل «غسيل قلوب» يتم ايضا «غسل الايادي» من دم هذا الصّديق الذي نسمّيه شهيدا.
ولكل جولة زواريب زعيم يقف «على الكوع» ومعه من يحمل له ابريق الماء لغسل اليدين.
عندئذ كم تغار الضحية من الشهيد وكم تحسده.