يبدو أن الدني بألف خير ونحن مش كتير معنا خبر!
ها هو البيك يتصالح مع ذواته المتخاصمة. ينطّ من خندق إلى خندق يلملم أشلاءه، تارة يضحك وفي أخرى يتجهّم.
الجوهر واحد لكن تختلف المشاعر بحسب "الذات" المقابلة. صحيح أن بين واشنطن والضاحية والشويفات والرابية، يرعى الغزال، لكن البيك وبعدما بدأ رحلته واستفاق من غيبوبة 14 آذار العابرة للمزاج، أسقط كل الحواجز دفعة واحدة، ودخل المصالحات على رؤوس الأصابع، مدججا بالرضى "الإلهي" القريب والبعيد شوي كمان.
ها هو يبتسم وهو يتموضع أمام عدسات التاريخ. لا تنقل الصورة الحركة لكنها تعكس الإحساس، وإحساس البيك المرهف جدا سبقه في لقاءاته المصيرية. لا نعرف ما همس به رعد في أذن جنبلاط خلال لقاء الشويفات، فالنائب المقاوم في جند حسن نصرالله، عادة كما سيده، لا يشاور ويستشير إنما يشور، أو على الأقل، ينقل الرسائل الحاملة تعليمات الى المرتد حديثا إلى خندق الأشقاء. وفي كل زمان ومكان التعليمات هي بمثابة الأوامر، والأوامر كيفما كانت وفي كل زمان ومكان، ليست مستحبة لكنها بالتأكيد مستجابة. لذلك جاءت البسمة هنا باهتة من وحي الموقع والمحاور "الضحوك" أيضا!
أحيانا تتمنى أن تكون زبالا في شوارع نيويورك حتى لو كنت زعيما في بلادك! أميركا التي صارت أمريكا في الأدبيات السياسية المستجدة للبيك، مشت بخطوات متوازية على بلاط المختارة، بعدما تناسى سيد المكان تموضعه البديل وعاد لوقت ضئيل الى الأصيل، واستقبل بحفاوة السيناتور الأميركي جون ماكين، قبل أن تأفل شمس النهار على زغل المشاعر وتضاربها…
أصعب الابتسامات هي تلك المغتصبة. ما لم تكن بيار رفول مثلا، لا يمكن أن تضحك من أعماقك للجنرال المتجهم حتى لو كان يضحك. جنبلاط في الرابية فعلها، والله فعلها. مروان حماده سقط في الامتحان، لم يتمكن. بالكاد تلك البسمة الدبلوماسية الباهتة المفروضة عليه. النواب فؤاد السعد وأنطوان سعد وهنري حلو، عرفوا سلفا أنهم سيرسبون في امتحان تبادل الابتسامات، فتمنعوا عن حضور اللقاء الضروري والملح لاستكمال المشهد الوطني وخسروا فرصة التموضع في حضرة التاريخ.
أما سيّدا الرابية والمختارة، فابتسما وتصافحا وكأن شيئا لم يكن. خلص، عفا الله عما مضى وكان الله يحب المحسنين! هو ليس لقاء مصالحة، ما تغلطوا، بل م ص ا رح ة. حبيّت!
في اللقاء رفرف ملف الطمأنينة في الجبل فوق هموم الرجلين، وتصدّر قائمة الاهتمامات ولاحقين على بقية الملفات.
سبحان مغيّر الأحوال، في أقل من ساعة خرج الرجلان من الخنادق السابقة وأعلنا خاتمة المصالحات! بس مش على علمي أن كانت للجنرال خنادق فوق، على علمي أنه "تهرّب" (أصل الفعل هرب) من تلك الخنادق في تلك الأيام لتغطس بها مدافع القوات اللبنانية ومقاتلوها… خلص لا لنبش القبور، نحن الآن مع الكاميرات والبسمات والتموضعات… وفيما بعد وبالتأكيد، الآهات!!
بين جنبلاط وماكين ووهاب وأرسلان وعون ورعد، ترعد المسافات والمواقف… والبسمات.
أنا مع رعد. أحب الوجوه الضحوكة! وأنا مع العودة الى الذات على طول المسافة الممتدة من المختارة الى الرابية مرورا بالضاحية والجاهلية والشويفات، لكن المهم أن تحضر الكاميرات قبل الملفات، وإلا ماذا سنأخذ معنا لأشقائنا ونحن نعبر طريق الشام في اتجاه المصنع صعودا صوب… الضوء، في انتظار إشعاع الحياة الذي سيصدر عن لقاء اللقاءات المنتظر، الأسد- جنبلاط … ولحقوا على فلاشات وأضواء… وابتسامات ايضا؟!