#dfp #adsense

تركيا قوة “موازَنة” مع إسرائيل وقوة “موازية” لإيران

حجم الخط

زيارة الحريري حققت فوائد لبنانية كثيرة لكنها ظهّرت "التوازن الإقليمي" المنشود حول لبنان
تركيا قوة "موازَنة" مع إسرائيل وقوة "موازية" لإيران

من نافل القول إن النتائج المعلنة لزيارة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الى تركيا تفيد أن الزيارة كانت ناجحة، لجهة تعزيز العلاقات اللبنانية التركية سياسياً ولجهة الآفاق الاقتصادية بين الجانبين، بحيث يصح إعتبار أن الرئيس الحريري نجح في جعل العلاقات الثنائية تنهض على مصالح مشتركة، قابلة للتطور باتجاه بناء نظام إقليمي قائم هو أيضاً على مصالح مشتركة بين مكوناته، و"عادل" تالياً. وبهذا المعنى، يغدو وصف الزيارة بأنها "تاريخية" و"إستراتيجية" دقيقاً، بمقياس أنه أول تأسيس من نوعه للعلاقات اللبنانية التركية بعد أن كانت لفترة طويلة أشبه بـ"العلاقات العامة". أي أن التطور الحاصل في ضوء الزيارة، هو أن هذه العلاقات أضحت معطى أساسياً في "سياسة" لبنان وتعاطيه المطلوب مع المنطقة. مع العلم أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان أول السياسيين اللبنانيين المعاصرين، الذي راودته "الفكرة التركية" وكانت لما تزل "برعماً".

تركيا ودورها "اللبناني"

غير أن نجاح زيارة الرئيس الحريري يُقاس أيضاً بما "كشفته" أو بما سمحت بظهوره علناً ورسمياً للمرة الأولى من ناحية وبما أتاحت التأكد منه من ناحية ثانية. فلا جدال في أن الزيارة شكلت مناسبةً أخرى للتثبت من الدور التركي الإقليمي المتعدد الأبعاد.

لم يكتف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالإعراب عن قلق بلاده حيال التهديدات الإسرائيلية للبنان وخروقها للقرار الدولي 1701، ما يعني إهتماماً تركياً بـ"سلام لبنان" في سياق الإهتمام بـ"السلام الإقليمي" ككل، لكنه أكد رسمياً أن تركيا لعبت دوراً مهماً في مجال تحسين العلاقات اللبنانية السورية، وفي إطار السعي الى تحسين التعاطي السوري مع لبنان، إذ كشف أنه اقترح على الرئيس السوري بشار الأسد زيارة لبنان.

حقيقةُ الأمر هنا أن ما أعلنه أردوغان في حضور الحريري ليس فقط يهم لبنان، لجهة أن تكون قوة إقليمية كتركيا أو بحجمها، الى جانبه ضد أي إعتداء إسرائيلي عليه، والى جانبه في تصحيح العلاقات بينه وبين سوريا و"ضمان" التصحيح لمصلحة البلدين. إن ما أعلنه أردوغان يندرج في إطار "سياسة" أو "إستراتيجية" تركية تتبنى السلام الإقليمي ولتحقيقه تتبنى الاستقرار في الإقليم.

"قوة موازَنة" لإسرائيل

تركيا تتبنى السلام الإقليمي، وتعتبر مبادرة السلام العربية أساساً للوصول إليه كما شدد وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو غير مرة. والى جانب الإعتراف بها كقوة إقليمية ولها بدور إقليمي من قبل المجتمع الدولي، عمدت أنقرة في السنوات الماضية الى التقارب مع "النظام العربي" ودوله الرئيسية، لا سيما المملكة العربية السعودية ومصر، فضلاً عن علاقاتها بسوريا. واهتمت بالتأسيس لتعاون تركي عربي. ونشطت ديبلوماسياً لحل الصراع العربي الإسرائيلي وعنوانه الأبرز القضية الفلسطينية. وبذلت جهوداً سياسية للمساعدة على المصالحة الفلسطينية الفلسطينية. وإعتنت عنايةً خاصة باستقرار العراق الخ..
بإختصار إن الإستراتيجية الإقليمية لتركيا التي تتخذ من السلام عنواناً مركزياً، تنطلقُ من إعتبار أن لتركيا والنظام العربي مصالح مشتركة، وأن لهما أهدافاً مشتركة.

وفقاً لهذه المعاني جميعاً، فإن تركيا من وجهة نظر لبنانية وعربية، هي قوة إقليمية تقيم علاقات مع إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه "قوة موازَنة" مع إسرائيل أو قوة قادرة على الضغط على إسرائيل، فضلاً عن أن إسرائيل بـ"حاجة" الى تركيا، ولا تستطيع تجاهلها. أي أن تركيا قوة سلام إقليمية في المطاف الأخير، ويستطيع العرب الإعتماد عليها والإتكال على إتزانها ورزانتها، خصوصاً أن ليس لدى تركيا مشروع أمبراطوري تمددي على حساب المنطقة العربية أو مشروع إقصائي للعرب وإسترهانهم.

داود أوغلو والإستراتيجية التركية

قبل أيام نشرت صحيفة "الحياة" مقالةً للوزير التركي داود أوغلو يشرح فيه السياسة الخارجية التركية. فذكر الوزير أن "هذه السياسة تقوم على ثلاثة عناصر"، وأوضح أن "أولها هو التحرك من خلال رؤية واضحة ومحددة وليس في إطار رد فعل موقت على الأزمات أو سياسات المنطقة"، وأشار الى أن "الثاني هو الأخذ بزمام المبادرة في المنطقة وقبل حصول الأزمات في شكل مبكر", ولفت الى أن "الثالث هو التحرك في إطار سياسة شاملة على مسافة واحدة من كل العناصر ورفض سياسة المحاور والتكتلات". وختم مقالته مشدداً على "إتساع طموح السياسة الخارجية التركية التي تُصنع في أنقرة ويتمدّد فضاؤها الى 360 درجة".

ما كتبه داود أوغلو يفسّر نجاح السياسة التركية التي إذا أراد أي محلل نزيه للمقالة أن يلخصها، لقال إنها سياسة "توثيق العلاقات" مع الجوار الإقليمي، العربي على وجه الخصوص، وسياسة "الدخول الايجابي" على خط الأزمات لمعالجتها لا لتسعيرها، وسياسة "مراكمة الثقة" بينها وبين محيطها والعالم.

أين الإختلاف بين أنقرة وطهران؟

من الواضح أن السياسة التركية "متناقضة" مع السياسة الإقليمية الإيرانية على سبيل المثال. فالمتابعون للعلاقات التركية الإيرانية يعتقدون أنها تقوم على "ثلاثية" التعاون التنافس الشكوك والمخاوف المتبادلة. بيد أن المؤكد هو أن تركيا تكتسب موقعها ودورها الإقليميين أو تُعيد إكتسابهما بإستراتيجية السلام والإستقرار وبالايجابية، في حين أن السياسة الإيرانية ترفض السلام و"تلعب" بالاستقرار.. وتسعى الى توسيع النفوذ ومراكمته ولو بممرات عنف أهلي هنا وهناك في المنطقة العربية.

على هذا الأساس، يمكنُ القول إن تركيا التي تقيم علاقات مع إسرائيل لكنها تشكل "قوة موازَنة" مع الكيان الإسرائيلي وضغط عليه، تقيم علاقات مع إيران لكنها تشكل "قوة موازية" لإيران أيضاً، وتحسب لها طهران حساباً كبيراً، وترغب في ألا "تصطدم" بها كما الحال من جانب أنقرة.

الثابت أن تركيا إنتزعت موقعاً محققاً في النظام الإقليمي الجديد الذي لم يولد بعد. ولكلّ المقدمات الآنفة تمثل تركيا حاجةً للبنان، بل للتوازن الإقليمي حول لبنان. ولا شك أن الرئيس سعد الحريري كان يدرك ذلك قبل ذهابه الى تركيا، ويدركُه أكثر بعد عودته منها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل