يوم دولة "الرئيس النبيه"
يُحْسن دولة الرئيس نبيه برّي اختيار الوقت الذي يعقد فيه مؤتمراته الصحافية لتفجير طوفان جدل سياسي ويشغلها بالاستماع والردّ وبعدها ينطلق نواب كتلته ليشنوا تصريحات الردّ على الردّ وهكذا ، وهو يُحْسن اختيار الوقت لأنه يختار دائماً "بقعة الفراغ" في السياسية اللبنانية،وأفضل وقت عند الأستاذ هو ذلك الذي يمرّ على اللبنانيين وهم يحدّقون في الفراغ السياسي الهائل في وطنهم "التّابع والخاضع" لحركة التوتّرات أو الانفراجات أو حتى الانفجارات الإقليمية"!!
يطلّ الرئيس بري فيحرّك ضجر الأجواء ويملأ وقت اللبنانيين موقعاً كلامه بجملِه الخاصّة ، فهو حيناً يعد البلاد بالتفاؤل بطاولة الحوار ويُحدّثهم عن "توصيته على الطاولة عند النّجار"،ويُجرجرهم وراءها من 15 آذار الـ 2006 حتى 12 تموز الـ 2006 ..أو أن يُخرج لهم من كمّ الأزمة "الإنذار الأخير" بـ "طاولة التشاور" تحت بندين، ويعدُهم بـ "عيديّة" وإلا فالشرّ المستطير،ولا يأتي العيد بل يأتي الحصار ويلحق به ما استطار من شرّ أيار!!
يترقّب اللبنانيّون اليوم بحذر شديد ما سيقترحه عليهم دولة الرئيس النبيه، خلال شرح رؤيته لآليّة إلغاء الطائفيّة السياسية،ولا نعرف بدقّة ما إذا كان من المهام المنوطة برئيس مجلس النواب "تفسير الدستور" وتغليب رؤيته ومفاهيمه على بنوده، كتجربته في اجتهاد "إقفال المجلس النيابي" لأن الحكومة "بتراء"!! وسبحان الله كيف احتمل الرئيس النبيه وصبر على هذه "الطائفيّة السياسيّة" البغيضة طوال 15 عشر عاماً ، ثم تذكّر أنّ الورقة ما زالت في كمّه ، وقد حان الوقت لإخراجها ، فالبلد يحتاج إلى تفجير سجال يردّ الرّوح فيه ، والرئاسة الثانية بعيدة منذ زمن عن "أضواء الحركة السياسيّة"…والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا الإعلان عن قراءة الرئيس نبيه بري لإلغاء الطائفيّة السياسية يحتاج عرضها إلى "مؤتمر صحافي"،هل هو يطرحها على اللبنانيين وهو أدرى بانقساماتهم العمودية الحادّة التي يجري "دفنها" هذه الأيام تحت عنوان "المصالحات" و "المصارحات" من فوق ، ولكنّها عاجزة عن اختراق الـ "تحت"، ثم ما الذي "يطلع بإيد اللبنانيين" حتى يقترح عليهم "دولته" قراءته ، وقد يحقّ لنا أن نتساءل ، ما دام دولته رأس السلطة التشريعيّة أليس المكان المناسب لعرض هذه القراءة في مكتبه في المجلس عبر لقاءات نيابيّة موسّعة مع النوّاب أولاً ، وأن يقصد القيادات المعنيّة طارحاً عليها قراءته ليتسنى له مناقشتها والتقاط ردود الفعل عليها ومواطن "النقزة" من عدم براءة توقيتها؟!
وبما أن "الطائفيّة السياسيّة" ودولة الرئيس واحدٌ من "مداميكها" الراسخة في لبنان ، هي الداء اللبناني العضال،فهل يكون عرض تصور أو اقتراح "تشكيل هيئة لإلغاء الطائفية السياسية" على ما لهذا الأمر من تعقيدات وحساسيات في هذا التوقيت بالذّات، مكانه المناسب هو "شاشات التلفزة والصحف" وفتح أبواب السجال على مصاريعها و "مصروعيها" أيضاً!! أم هل يستدرج دولة الرئيس القيادات المسيحيّة إلى تفجير سجال وأخذ وردّ ليتسنّى له التصويب على من ينوي التصويب عليهم؟
المهمّ؛ وسط هذا الضجر السياسي المملّ في انتظار أن تفتتح من عندنا أو من عند سوانا ساحة أحداث المنطقة ، ووسط حالة الرتابة السياسيّة التي تعتري يوميّات اللبنانيين من كثرة "المشاهد المملّة" و"علك الكلام" ، وعوضاً عن أن يكون العلك على الفاضي فليكن على المليان ، يبقى أن نقول فقط ، وبما أن اليوم بامتياز ، يوم قراءة دولة الرئيس نبيه بري ، نتمنّى فقط أن لا ينتهي عرضه لاقتراحه ، والرّدود التي يبري نواب كتلته أقواسهم للردّ على من سيردّ على اقتراحه أيضاً بـ "مؤتمر صحافي" ـ فاللبنانيون اشتاقوا للتراشق عبر الشاشات ـ نتمنّى فقط أن لا تقودنا "الرؤية النبيهيّة لإلغاء الطائفية السياسيّة" إلى إشعال فتيل شدّ العصب عند الطوائف، وبدلاً من التهليل لـ "المصالحات" ينتهي المشهد على "تحريك" الرّماد في الموقد اللبناني المليء دائماً بالجمر النائم دائماً في كمّ السياسيّة اللبنانيّة خصوصاً عندما تكون عالقة في المنطقة الرماديّة!!