لبنان على مفترق طريق :دمار شامل أو استقرار دائم
مع توقّعه بأن ينعم لبنان بالاستقرار والازدهار في الاعوام المقبلة، بعد تشكيل حكومة الائتلاف الوطني وكسر الجليد وجدار العداء المتبادل مع سوريا، وحصول مصالحات عدة بين الاخوة الاعداء في الداخل اللبناني، الا ان الطيّب اردوغان رئيس حكومة تركيا لا يخفي قلقه من التهديدات الاسرائيلية الموجّهة ضد لبنان منذ مدة، وانصراف اسرائيل الى تهيئة الاجواء والمناخات العسكرية والسياسية التي تساعدها على القيام بعدوان واسع باتجاه الارض اللبنانية في اي وقت، ان هي وجدت ان الظرف مؤاتٍ، وهذا امر تحسّب له ايضاً رئيس الحكومة سعد الحريري، عندما دعا من انقره الى عدم تقديم الذرائع لاسرائيل لشن عدوانها، مؤكداً في الوقت ذاته سقوط رهان اسرائيل على تفسّخ الوحدة الوطنية الداخلية عند اي عدوان، لأن المصالحات التي تمت قد وحّدت اللبنانيين جميعاً على مواجهة اي طارئ.
الواقع الحالي اذن في لبنان يتظهّر كالآتي: انصراف اللبنانيين الى بناء دولتهم ووطنهم على أسس العلم والحداثة وتغليب المصلحة العامة، مستندين في ذلك الى راحة بال بالنسبة الى علاقاتهم مع سوريا والدول العربية، وجميع دول العالم، والى اقتناع شبه كامل، بأن احداً في لبنان لن يعرّض امن البلد وسلامته واستقراره الى اي اهتزازات او خروقات تستفيد منها اسرائيل، والى ارتياحهم ايضاً الى قيام حكم منسجم متناغم متجرّد، وخصوصاً في السلطة التنفيذية حيث التعاون بين رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري، على أفضل ما يكون، ولم يشهد له لبنان مثيلاً منذ سنوات.
جميع هذه العوامل الايجابية، كانت ثمرة السياسة الحكيمة والهادئة والمتجردة التي اعتمدها رئيس البلاد العماد سليمان منذ تولّيه مسؤولية رئاسة الجمهورية، والتي قامت اساساً على تجميع عناصر القوة الضرورية لتثبيت ركائز نهوض الدولة، وعناصر القوة هذه يلزمها اصدقاء، اقربون وابعدون، يتحمّسون لحمايتها، ومن هنا فان الغاية من الزيارات الى الدول المؤثرة في العالم، والى المؤسسات والمنابر الدولية ذات التأثير المعنوي والمادي والسياسي، هي تأمين الدعم اللازم لمؤسسات الدولة الاساسية، واعتماد رئيس الجمهورية مرجعية اولى في اي اتصال خارجي مع لبنان خلافاً لما كان يحصل سابقاً، وقد اكتملت حلقة هذه العناصر بمجيء سعد الحريري الى رئاسة الحكومة، وهو الحواري والهادئ والمتجرّد والمنفتح بدوره على الداخل والخارج، ما يبشّر بمرحلة مقبلة غنية بالانجازات والاصلاحات والتفاهم والتعاون بين الرئاسة الاولى والرئاسة الثالثة وليس واضحاً بعد ما اذا كانت الرئاسة الثانية ستكون طرفاً ثالثاً مسهّلاً، ام ان طروحاتها التي «تصرّ» عليها، على الرغم من عدم تمتّعها بتوافق الجميع، على بحثها ومقاربتها في هذه الفترة التي ما تزال بحاجة الى عناية فائقة، ورعاية مكثفة لتتجاوز مرحلة خطر الانتكاسات والاشتراكات المميتة، خصوصاً ان هناك في المعارضة السابقة بعض اصحاب الرؤوس الحامية ممّن تعوّدوا على العيش والانتعاش في حياة اللااستقرار، ما زالوا يحاولون زرع بذور الفتنة والبغضاء ليبقى شرخ الخلاف قائماً بين مكوّنات الشعب الواحد.
* * * * *
هذا في الداخل اللبناني، امّا في القرب من حدودنا الجنوبية، فان قرقعة السلاح الاسرائيلي لا تهدأ ليلاً او نهاراً، والتهديدات التي تثير تخوّف القيادات الرسمية والشعبية والحزبية على السواء، هي التي دفعت برئيس الجمهورية الى الطلب من الدول الصديقة ممارسة الضغط على اسرائيل لمنعها من القيام بأي مغامرة مدمّرة، والطلب الى الدول الشقيقة والصديقة تزويد الجيش اللبناني بالاسلحة اللازمة للدفاع عن ارضه، وهي التي دفعته الى زيارة منطقة الجنوب لتفقد وحدات الجيش المرابطة هناك جنباً الى جنب مع قوات الطوارئ الدولية، وكان وزير الدفاع الياس المر وقائد الجيش العماد جان قهوجي قاما بزيارة مماثلة وللهدف ذاته منذ مدة، بالاضافة الى ان هذا الوضع المتوتر اسرائيلياً، هو الذي يثير قلق الاشقاء والاصدقاء، ويأخذ حصّة لا بأس بها من التحرك العربي المكثف الحالي، ولا بد حيال هذا الوضع الحائر بين الايجابيات والسلبيات من الاسراع لبنانياً بالدعوة الى طاولة الحوار الوطني للتوافق على الاستراتيجية الدفاعية الصحيحة.