#adsense

الاستراتيجيّة الدفاعيّة” و “سلاح الطائفة” أولوية وأهم من “إلغاء الطائفيّة السياسيّة”

حجم الخط

 الاستراتيجيّة الدفاعيّة" و "سلاح الطائفة" أولوية وأهم من "إلغاء الطائفيّة السياسيّة"

منذ أيام قليلة وأنا منشغلة بقراءة واحد من أهم الكتب السياسيّة "الرؤيويّة" التي تؤطر وتوثق للمشهد المأساوي ذي العرض المتواصل في العالم – كتاب الأستاذ الزميل راجح الخوري "إرهاب ضدّ الإرهاب" وعنوان الكتاب لوحده "حكاية" ويحتاج إلى صفحات – وقد استوقفني مطوّلاً أن رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الذي قدّم للكتاب بمقدّمة سياسيّة مكثفّة خَلُص في نهاية مقدّمته إلى القول: "من جهتنا، نحن مطمئنون إلى أن صورتنا في مشهد المعركة المقبلة هي: "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم وآل إبراهيم" على مساحة الشرق الأوسط الإسلامي الكبير انطلاقاً من فلسطين وعاصمتها القدس" (را. مقدمّة إرهاب ضد الإرهاب، راجح الخوري، دار النهار، ط (2009، ص16).

ومنذ مؤتمر "بق البحصة" الشهير للرئيس نبيه بري – إن كان اللبنانيون يذكرون – الذي هدّد فيه بأن هناك "شرق أوسط آخر" يُحضّر له بعد فشل المشروع الأميركي "الشرق الأوسط الكبير"، وقفز إلى الوجود بعدها بأيام مصطلح إيران:"الشرق الأوسط الإسلامي الكبير"!! والمفارقة أن يستخدم الرئيس بري المصطلح نفسه لينهي به تصوّره لنهاية المعركة التي لم تبدأ بعد..

الحديث عن التحضير لإلغاء الطائفيّة السياسيّة ليس أكثر من مشهد في فصل مناورة إلغاء القرار 1559 – وإن اعتبره رئيس المجلس النيابي أنه لزوم ما لا يلزم، فهو أحد أهم القرارات التي انبنت عليها مندرجات القرار 1701، ويكشف هذا الغمز "النبيهي" من قناة ال- 1559 إلا حالة القلق التي تنتاب حزب الله ومعه دولة الرئيس – المستفيد من وجود هذا السلاح فهو لسان التجلّي السياسي الناطق بالنيابة عنه وقت الضرورة السياسية – الديبلوماسيّة، بمعنى آخر ما يجري ليس سوى محاولة فرار إلى الإمام باختراع قضية "إشكاليّة" تثير الجدل السياسي وتعقّده وتنقله – وبذكاء وحرفنة – من المطالبة ببت موضوع سلاح حزب الله على طاولة الحوار، والتي باتت تشكّل ضغطاً حقيقياً على حزب الله لأنه أصلاً لا يعتبرها أكثر من مناورة تضليليّة لتمرير الوقت ..

أمّا انطلاق حديث رئيس المجلس النيابي عن مواد الدستور وضرورة تطبيقها، فلا بأس بتسليط الضوء على اجتهاد رئيس المجلس في "الإفتاء" برأيه الشخصي الذي يفسّر به الدستور ويعتبر أن: "المادة 95 تنصّ حرفياً أن على المجلس النيابي المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين أن يعمل على تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، وعندما يكون النص ملزما فانه لا يحتاج إلى توافق أو خيار، مشدداً على أن رئيس المجلس النيابي هو من يرعى أحكام الدستور"، هكذا حسم الرئيس بري الأمر باعتباره "الراعي الأوحد" لأحكام الدستور، وما هو "أدهى" من هذه "الرعاية" هو قول الرئيس بري: "عندما يكون النص ملزما فانه لا يحتاج إلى توافق او خيار"، ومن غرائب اجتهادات الرئيس بري أنه يستخدم مروحة واسعة جداً لمعاني "التوافق والديموقراطية التوافقية"..

وقد يكون من المناسب أن نذكّر الرئيس نبيه بري الذي قال بالأمس: "الدستور قال عند انتخاب أول مجلس نيابي على أساس المناصفة فان المجلس عليه ان يشكل الهيئة" – ونودّ لو نلفته هنا إلى التمييز بين مهام المجلس النيابي، ورئيس المجلس على اعتبار أن "الطائفية السياسيّة" هي التي حفظت لدولته رئاسة المجلس طوال مدّة رئاسته لها، خصوصاً في دورتي الـ2005 والـ2009، وبأن الدستور حدّد الخطوات والكيفيّة التمهيديّة للوصول تدريجاً إلى تشكيل هيئة لإلغاء الطائفيّة، وحتّى وإن حاول الرئيس بري الهروب إلى الأمام "محتجاً" بأن مقاطعة مسيحيّين لانتخابات العام 1992 هي التي أدّت إلى عدم تشكيل الهيئة عند انتخاب أول مجلس بالمناصفة، وللتذكير فقط يومها قاطعت أيضاً الطائفة السُنيّة الانتخابات تضامناً مع الموقف المسيحي لأن الدستور لم يُطبّق المادّة السابقة بكثير على إجراء الانتخابات..

في الباب الثاني الوارد تحت عنوان: "2 الإصلاحات السياسية، أ- مجلس النواب، نصت وثيقة الوفاق الوطني اللبناني التي صدّقت في جلسة مجلس النواب بتاريخ 5/11/1989، على الترتيب التالي في آليات التطبيق: 4- الدائرة الانتخابية هي المحافظة. 5- إلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي توزع المقاعد النيابية وفقاً للقواعد الآتية: أ- بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين. ب- نسبياً بين طوائف كل من الفئتين. ج- نسبياً بين المناطق… أما المادة 7: مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية".

وهنا لابدّ لنا من سؤال "دولة رئيس المجلس: بما أنك راعي الدستور أين تطبيق الفقرة 4 و5 و7 حتى نستطيع الوصول إلى تشكيل هيئة لإلغاء الطائفيّة تدريجياً"، ثمّ ألست الخبير بكيفيّة فرض 4 قوانين انتخاب منذ انتخابات العام 1992 بما يتناسب وضرورة بقاء الوصاية وتعطيل تطبيق اتفاق الطائف..

ومن حقّنا أيضاً أن نتساءل لماذا "ينقّي" رئيس المجلس ما يجب تطبيقه ويتغاضى عمّا هو أولى وأهم فهو المدخل لحالة استقرار تطمئن كلّ اللبنانيين، فالدستور اللبناني له هيكل مبني على تراتبية محدّدة وواضحة فقد احتل المرتبة الثانية: بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الاراضي اللبنانية. ثالثاً: تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي. لقد قدّم الدستور اللبناني بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وجعلها سابقة على "تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي"، وما يحدث منذ استفحل أمر سلاح حزب الله هو تعطيل قيام الدولة وتعطيل بسط سيطرتها على الأراضي اللبناني خصوصاً المربعات الأمنية التي لا يسمح لها إلا بالدخول إليها بعد أخذ إذن حزب الله وأمنه الخاص…

الأولوية في هذه المرحلة التي اعتبر فيها الرئيس نبيه بري أن لبنان – وبدكن من يصدّق هالكلام – ينعم بحكومة "وحدة وطنية" واستقرار "مؤقت" أن يطبق ما يريد هو تطبيقه، مع أن أولوية اللبنانيين هي الاستراتيجية الدفاعية لتجنيب لبنان كوارث جديدة بعد الذي ذاقه بسبب حرب تموز العام 2006 … وربما هي "مناورة" مكشوفة جداً ومتأخرة ذهب إليها رئيس المجلس دعماً لحليفه في محاولة تأمين "تمرير الوقت" من دون الوصول إلى مناقشة حقيقية لمصير اللبنانيين في ظل بقاء سلاح حزب الله قابضاً على قرار حياة وموت اللبنانيين، خصوصاً وأن المقاومة في لبنان تُعاني إشكاليتين خطيرتين، الأولى: أنها مقاومة "مذهبية" وهذا أسوأ من كونها "طائفية" حيث يحتكر مذهب واحد احتكار السلاح واستخدامه أينما كان تحت عنوان "المقاومة"، والثاني: أن هذه "المقاومة" وما هو أخطر من كونها تحمل صبغة "إسلامية في لبنان" لا مقاومة لبنانية، تدين بولاء كامل وتامّ بالطاعة والسّمع للولي الفقيه في إيران، وهذه مرجعية "دينيّة – سياسية" – حتى لا يضحك ميشال عون على جمهوره بأنه تبعيّة دينية كالتبعية للفاتيكان، وإن كان الأمر عن جهل فتلك مصيبة، وإن كان عن علم فالمصيبة أعظم – ونودّ لو نسأل دولة الرئيس عن واحد من اقتراحاته للبدء بالغاء الطائفية، وضع كتاب ديني موحد الزامي يرسخ المواطنية، فكيف سيوحّد الأديان دولته في كتاب، وماذا قصد بقوله هذا، وما إذا كان في ودّه أن يأخذ بيدنا جميعاً إلى "الإبراهيمية" وهي "دعوة يهوديّة" بامتياز تجد أصداء عند بعض المفكرين الذين يريدون أن يقفزوا فوق موسى وعيسى ومحمّد "صلوات الله عليهم أجمعين" والعودة إلى "الحنيفيّة" دين إبراهيم "عليه السلام"، وقد ذكرنا عنوان كتاب الزميل راجح الخوري المقتبس بعنوان أحد أكثر الكتب إثارة للجدل وأكثر الكتاب حماسة للعودة إلى الحنيفيّة وهو – الراحل الليبي – الصادق النيهوم في كتابه الممنوع "إسلام ضدّ الإسلام"!!

قد يكون أفضل ما يقوم به الذين ينوون الدخول في سجال مع الرئيس نبيه بري أن يتنبهوا فلا ينجح دولته بالانزلاق بهم إلى حيث أراد للتمويه على الحديث الذي يشنج أعصاب حليفه حزب الله، فمشكلة لبنان وألويته اليوم ألاّ يفتح على نفسه أبواب جهنم الإسرائيلية بسبب الخرق المستمر للقرار 1701، وتستطيع الطائفية السياسية أن تنتظر سنوات قليلة بعد حتى نتّفق على استراتيجية دفاعية لأنها أكثر خطراً وأهميّة على مستقبل لبنان الوطن والشّعب..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل