#adsense

تعـال لنبـدأ

حجم الخط

تعـال لنبـدأ

تابعتُ الرئيس نبيه بري في مؤتمره الصحافي الحاشد، وأصغيت باهتمام وانتباه الى مضمون بيانه، أو دفاعه، أو اقتراحه المعدّ بعناية ودقة.
ومثل كثيرين من المعنيّين مباشرة بموضوع الطائفية ومشتقاتها وتفرُّعاتها والأمراض والأوبئة الشديدة الخطورة التي غرستها في جلالي وحنوات أرض الثماني عشرة طائفة.

قبل الدخول في التفاصيل والعوامل والدوافع لهذه الخطوة لرئيس مجلس النواب في بداية مرحلة قد تكون تأسيسيَّة، من المهم الاعتراف ان حقوقيين وقانونيين واساتذة دستوريّين أعلنوا تقديرهم للبيان الذي يصلح أن يكون دراسة دستوريَّة قانونية وطنية تاريخيَّة بامتياز.
لا مناقشة لمضمون البيان، ولما ورد في متونه وبين سطوره. ولا اعتراض على هذا البند أو ذاك. ولا ثمة تعديلات يمكن أن تبلور هذه الفكرة أو تصوٍّب ذلك التوجه.

والرئيس بري بكونه بذاته يعلم علم اليقين أنه ليس بين اللبنانيّين من لا يوافقه القول أن الطائفية البغيضة هي علة لبنان المرضيَّة، لا علَّة وجوده. بل هي الداء اللبناني الفتَّاك ومقتل الوحدة الوطنية والميثاق الوطني والعيش المشترك والوطن الرسالة.

وليس من اليوم. وليس من يوم بوسطة عين الرمانة. وليس من حرب السنتين ثم حروب قايين وهابيل والآخرين. وليس من زمن "فتح لاند" ودويلة ياسر عرفات. وليس من زمن دويلة "حزب الله" ومربعاته الأمنيَّة في جنوب بيروت وجنوب لبنان.
إنما من قبل ذلك بكثير.

حتى من قبل انتداب الدول السبع، ثم رسو الزمام الانتدابي في عهدة الأم الحنون.
ربما من يوم، أو من انعطاف مذبحة 1840، حيث كانت الطائفية في بدايات سفورها، وأكملت في ما بعد طريقها، ومسيرتها، ومذابحها، وفظائعها، على امتداد قرن ونصف وقرن.
طبعاً، كانت هناك انفراجات، واستراحات، ومصالحات، واحتفاليات تبويس لحى، ومبادلات في بث الأشواق والعواطف الجياشة واشهار العتاب كونه صابون القلوب.

ولكن، كثيراً ما ذاب الصابون وفقاقيعه وبقيت "النعرة" مكانها في القلوب.
هذه العودة السريعة الى البدايات والنهايات وما بينها، ليست إلا للتأكيد للرئيس برّي أن ما من لبناني مع بقاء الطائفية، سياسيَّة كانت أم اجتماعية أم معلمنة، وصولاً الى مبدأ فصل الدين عن الدولة.

والذين يوافقون "الاستاذ" على العمياني، ويرون رأيه، ويقولون قوله، يسألونه لماذا لا يُتبع رأسها الذَنَّبَ؟ ولمَ لا يَدخل بيت القصيد وبيت الداء من بابه الواسع وحيث الدواء الناجع؟

وما الذي يمنعنا من طرق باب العلمنة ما دامت النيات صافية، والعزائم جاهزة، والارادة تفلُّ الفولاذ قبل الحديد، ونتوجَّه باقتراح أشمل ومسعى أهمّ وأنجع، ونطرق الباب العالي الذي تقيم وتمترس خلفه الطائفيَّة… ونخلعها عن عرشها؟

لن نسأل رئيس حركة "أمل" ورئيس المجلس منذ ما يقارب العقدين، والخير لقدّام: لماذا الآن؟ ولماذا لم يكن الاقتراح منذ سنين، يوم كانت الطائفيَّة نائمة في وجرها، ويوم وقف الرئيس الياس الهراوي منادياً بالزواج المدني… ويوم نام ذلك الاقتراح في ادراج النسيان؟
سؤال آخر: هل يرى برّي ان لبنان أصبح مهيأً لهذا في هذه الحقبة التي تَلَت حقبة انفجار الاحتقان الطوائفي والمذهبي في الأحياء والزواريب؟

لنقل ان الناس، بلا استثناء، مع الغاء الطائفيَّة السياسيَّة، ولنعتقد ذلك مبدئياً. ولنسلٍّم مع رئيس المجلس أن لا خوف ولا خطر ولا محذور ولا محظور…
إذاً، ما الذي يمنعنا من إكمال هذه الخطوة بخطوة تشجيعيَّة، تزيل المخاوف والهواجس من النفوس، ونيمِّم الوجه نحو الالغاء الشامل؟
ولنبدأ من الزواج المدني، كدليل وبرهان على أنَّ الحماسة التي تواكب اقتراح الغاء الطائفيَّة السياسيَّة لا خلفيّات لها ولا تنطوي على مطبَّات تصب في البحر الطائفي نفسه.

في مطلع الستينات تحمسَّ العميد ريمون اده حماسة الرئيس بري اليوم للزواج المدني. فوضع مشروع القانون وراح يحاول تسويقه نيابيا وسياسيّاً، وحتى لدى المرجعيات الدينية.
فرحل العميد وبقي حلمه في الأدراج، أو في حمى النسيان.
الناس يقصدون قبرص وفرنسا واليونان سعياً الى زواج مدني. فتعال أيها الاستاذ الرئيس لنبدأ من هذه النقطة البسيطة جداً.

المصدر:
النهار

خبر عاجل