إلغاء الطائفية السياسية يتطلّب إجراءات تطمئن الجميع

وجوب الاتفاق على أي صيغة جديدة لتحييد لبنان
إلغاء الطائفية السياسية يتطلّب إجراءات تطمئن الجميع

لا خلاف على إلغاء الطائفية السياسية منذ عام 1926 ولا على الدعوة الى ذلك في الحكومة الاولى للاستقلال عام 1943 برئاسة رياض الصلح والقول في بيانها الوزاري "إن الساعة التي يمكن فيها الغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله، ومن الطبيعي ان تحقيق ذلك يحتاج الى تمهيد وإعداد في مختلف النواحي حتى لا تبقى نفس إلا وتطمئن كل الاطمئنان الى تحقيق هذا الاصلاح القومي الخطير".

لكن تلك الساعة لم تكن قريبة، اذ ان سنوات طويلة قد مرت، وعوض ان تتقدم فيها روح المواطنية، اشتدت روح الطائفية والمذهبية خصوصا بعد عام 1975 نتيجة الحروب الداخلية. وما كان يمكن تحقيقه مع رجالات الاستقلال وفي زمن التنافس السياسي بروح وطنية، بات تحقيقه اليوم اصعب مع تراجع المواطنية تراجعا كبيرا وتقدم الشعور المذهبي والطائفي وتحول التنافس السياسي تنافسا طائفيا، ولأن تلك الحروب زرعت الطائفية والمذهبية داخل البيوت والمؤسسات والاحزاب والمدارس بحيث بات لا بد من ازالتها اولا من النفوس لتصبح ازالتها من النصوص نتيجة حتمية.

ولأن المذهبية والطائفية بلغتا اوجهما في لبنان، فان مجرد البحث في تشكيل هيئة وطنية تتمثل فيها كل القوى السياسية الاساسية في البلاد والطوائف ويتم اختيار الاسماء التي توحي الثقة وتجسد هذا التمثيل قد لا يكون سهلا. فاذا كان تشكيل حكومة وحدة وطنية استغرق خمسة اشهر والاتفاق على انتخاب اللجان النيابية استغرق وقتا قبل ان يتأمن النصاب للجلسة المخصصة لهذا الانتخاب، فكم سيحتاج من الوقت تشكيل هيئة وطنية مهمتها اتخاذ الاجراءات الملائمة واقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية. واذا كان من السهل اختيار من يمثل الشيعة والسنة والدروز في هذه الهيئة، فليس من السهل اختيار من يمثل المسيحيين وهم منقسمون شيعا واحزابا وقيادات وكل قيادة تعتبر نفسها اكثر تمثيلا من غيرها… وبينها متحالف مع هذا المذهب الاسلامي ويجاريه في تفكيره، ومتحالف مع ذاك المذهب ويجاريه ايضا في تفكيره لاعتبارات سياسية ومصلحية لا شأن للبنان الوطن والدولة فيها… واذا صار اتفاق على تشكيل الهيئة الوطنية، هل يصير اتفاق على الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية؟ وماذا يحصل اذا تعذر الاتفاق والتوافق؟ هل يتم اللجوء الى التصويت وبأي اكثرية؟ وهل يكون النصاب مكتملا لاجتماع الهيئة باكثرية اعضائها زائدا واحدا ام بحضور اكثرية الثلثين كما في مجلس الوزراء؟

الواقع ان الجميع ينادون بالغاء الطائفية السياسية لانها علة العلل وآفة المجتمع اللبناني، لكن ما على ألسنة بعضهم قد لا يكون في قلوبهم وهذا ما جعل النائب وليد جنبلاط يقول في حديث تلفزيوني ردا على سؤال: "ثمة من له هواجس لأن لبنان مجموعة اقليات، وان كل واحد لديه حذر من الآخر"…
لقد كانت القيادات المسيحية ترد على المطالبين بالغاء الطائفية السياسية بتعديل قانون الاحوال الشخصية بحيث يتحقق الزواج المختلط والزواج المدني لان هذا هو الطريق السريع الى العلمنة او الى الدولة المدنية، وانه لا بد من تأهيل النفوس قبل الغاء النصوص. وما تشكيل الهيئة الوطنية، في حال التوصل الى اتفاق على تشكيلها، وعلى خطة عملها، سوى خطوة اولى. وعندما كانت قيادات اسلامية ترد برفض ما تطالب به القيادات المسيحية ولاسباب دينية، كان الكلام على الغاء الطائفية السياسية تنفيذا للمادة 95 من الدستور يتوقف.

وفي عهد الرئيس الياس الهراوي اثير الموضوع مجددا، فطرح على مجلس الوزراء في موازاة ذلك مشروع الزواج المدني الاختياري بعدما كان الهراوي قد طلب من الرئيس بري تشكيل الهيئة الوطنية عملا باحكام المادة 95 من الدستور. لكن مشروع الزواج المدني الاختياري الذي وافقت عليه الاكثرية الوزارية بقي في الادراج بسبب اعتراض مرجعيات دينية وسياسية مسلمة. وقد سجل وزير العدل يومذاك بهيج طبارة ملاحظات على هذا المشروع متسائلا ما اذا كان يصح اعتماد اجراءات منفردة ترمي الى الغاء الطائفية خارج الخطة المرحلية التي نصت عليها المادة 95.

وكان كلما فتح باب البحث في الغاء الطائفية السياسية تكثر التصريحات والاحاديث وردود الفعل المتفاوتة، واهم ما جرى في هذا الشأن على عهد الرئيس الهراوي الحوار التلفزيوني بين غسان تويني والمطران بشارة الراعي. فقد ايد تويني الغاء الطائفية ولكن بعد "تأهيل البنية الاجتماعية للانخراط في المجتمع المدني"، وتساءل "مش قادرين يعينوا مجلس ادارة "الميدل ايست" فكيف سيعينون الهيئة الوطنية؟ وكيف سيختارون الشخصية الفكرية التي ستتمثل في هذه الهيئة؟". واضاف: "انا مع الغاء الطائفية السياسية، لكن اي طائفية وبمن وكيف؟ إن من يطالبون بالغائها هم قوى طائفية، فأحزابنا الطائفية هي التي تسببت بالحرب وخاضتها باسم غيرها وليست هي من تمثل عراقة الديموقراطية. والحل هو ان يعيش البلد مع نفسه مستقرا فتتمخض حلول لأن الالغاء لا يكون بمرسوم"…

وقال المطران الراعي: "إن ثلاثة اخطار تهدد كيان لبنان: التجنيس والتوطين والغاء الطائفية السياسية"، وانه ليس ضد الالغاء انما يسأل: "ماذا نقصد بالالغاء، الصيغة ام النظام؟ وماذا عن توزيع المناصب والوظائف؟". واضاف: "إن العالم العربي يعيش طائفية سياسية باشكال مختلفة سواء باخضاع دين الدولة للاسلام او باخضاع الدولة للتشريع الاسلامي، وان العالم العربي قائم على لون واحد طائفي في حين ان لبنان قائم على تنوع طائفي، وقيمة لبنان هي في ان احدا فيه لا يذوب في الآخر، وكل واحد فيه يحمل في نفسه تراثه وكياناته وحضاراته وتنصهر كلها في نظام لا هو في الشرق ولا هو في الغرب. واذا الغينا الطائفية السياسية، من يحكم ومن يمثل ومن يقدّر الجدارة والكفاية؟". اما عن العلمنة فرأى انه "لا يمكن تطبيقها في لبنان لاننا ننتمي الى عالم عربي لا تطبق فيه العلمنة، فنحن مجتمع فريد ومجموعة اقليات، ومن هنا اتت التعددية او التنوع ثقافيا ودينيا وتراثيا وحضاريا، منصهرا في شيء اسمه الدولة اللبنانية. وعندما نقول طائفية فنعني التزمت والتعصب، ففي لبنان اتحاد طوائف او مجموعات التقت بعضها مع بعض، فاين المشكلة اذا تمثلوا في الحكم؟ هل المشكلة لاننا نتمثل مناصفة ام ان المشكلة من التعيينات الوظيفية الصغيرة والمحسوبيات والمناطقية؟ الطائفية لم تأت من التمثيل الطائفي بل من روح التعصب والتزمت".
وبعد تأكيد الرئيس بري تصميمه على تشكيل الهيئة الوطنية تطبيقاً للمادة 95 من الدستور، والا فلا مجلس شيوخ ولامركزية ادارية، فان السؤال هو: هل الاجواء السائدة في لبنان والمنطقة مؤاتية؟ ومتى تصبح مؤاتية ليتخلص لبنان من داء الطائفية الذي لا دواء له حتى الآن؟

يقول سياسي مخضرم إنه ينبغي الاتفاق اولا على الخطة المرحلية وعلى اقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية السياسية كي تزول الهواجس لدى كل طرف وتتأهل النفوس لتقبّل هذا الالغاء من النصوص، ولئلا تنتقل البلاد من طائفية سياسية لها ضوابط الى طائفية مقنعة لا ضوابط لها. لذا، ينبغي البحث عن اي صيغة للبنان واي نظام واي قانون للانتخابات يؤمن التمثيل السياسي الصحيح. فاذا كانت النسبية فيجب اقرارها بادئ ذي بدء مع اقرار حق الانتخاب لمن اكملوا سن الـ18، وكذلك اقرار حق اللبنانيين الموجودين في الخارج والمنتشرين في العالم في الاقتراع وان تتم الموافقة على اجراءات الغاء الطائفية من قبل مجلس يمثل ارادة اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم ومذاهبهم تمثيلا صحيحا لا من قبل مجلس ليس فيه هذا التمثيل او فيه نواب فازوا باصوات مسلمين ونواب فازوا باصوات مسيحيين، وينبغي ايضا توحيد الكتابين المدرسيين في الدين والتاريخ تحقيقا للتنشئة الوطنية الصحيحة التي من دونها تبقى الطائفية ما بقيت القوى السياسية التي تدعو الى نبذها من جهة وتغذيها من جهة اخرى، او تستخدم الطوائف مدعية حمايتها في حين تهمها حماية مصالحها ومكاسبها.

إن الغاء الطائفية السياسية هو جزء من كل يتناول من جملة ما يتناول بسط سيادة الدولة على كامل الاراضي اللبنانية لان لا دولة من دون سيادة وسلطة، وكذلك تحقيق اللامركزية الادارية وانشاء مجلس الشيوخ، وان البحث في هذه المواضيع المهمة وغيرها يتطلب اختيار الوقت المناسب لطرحها والموافقة عليها. واذا كان الغاء الطائفية السياسية يعني الغاء شرط الطائفية في المناصب الرسمية العليا بحيث تصبح مفتوحة امام كل المذاهب، فكيف يمكن الغاؤها قبل ان يصبح لبنان كيانا وهوية وسيادة محصنا بالاتفاق على صيغة جديدة وميثاق جديد تطمئن اليهما كل المذاهب والطوائف، وعندها لا يعود يهم اللبنانيين من يحكم لبنان من خلال هذه المناصب، بل كيف يُحكم من دون شعور اي طرف بالغبن او بالخوف على لبنان من اي خارج وجعله في مأمن من اي طامع وطامح، ولا وصاية عليه عربية كانت ام دولية، وليس طرفا في اي من الاحلاف والنزاعات الاقليمية او الدولية كي لا يظل ساحة لها، ويكون مع العرب وهم متحدون وعلى الحياد وهم متفرقون ومنقسمون، ومعهم ضد اسرائيل الى ان يتحقق السلام، فلا خلاف اذاً على مبدأ الغاء الطائفية انما الخلاف هو على وضع اسبابه الموجبة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل