اسئلة وهواجس على هامش مؤتمر الغاء الطائفية السياسية


قال رئيس مجلس النواب نبيه بري في مؤتمره الصحافي حول الغاء الطائفية السياسية، كل شيء تقريباً يدور حول هذه المعضلة الوطنية المزمنة، باستثناء الرد على السؤال الآتي: كيف يمكن الغاء الطائفية السياسية، وفي الوقت ذاته المحافظة على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين التي نص عليها دستور الطائف بالنسبة الى النواب والوزراء، والى توزّع الرئاسات الثلاث، خصوصاً ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان سبق له وصرّح لـ«الديار» بأنه مع تطبيق الغاء الطائفية السياسية شرط المناصفة وما نصّ عليه الدستور بأن لا شرعية لكل ما يناقض صيغة العيش المشترك، وهذا يعني بكل وضوح ان هناك ورشة دستورية كبيرة لا بد من القيام بها لتصويب مسار البدء في عملية الغاء الطائفية السياسية ولا يمكن ان يكون انشاء الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية اولى لبناتها، بل هناك اساسات ضرورية ليقف عليها لبنان في طريق تغيير الصيغة الوطنية التي انشئت على قاعدتها الدولة اللبنانية منذ العشرينات من القرن الماضي ومروراً بفترة الاستقلال الاولى في العام 1943 وصولا الى اتفاق الطائف الذي يتحمّس الرئيس بري لتطبيقه، بعد تجاهله وتجاوزه او تطبيقه مبتوراً طول مدة 20 سنة مضت.

باستثناء النائب وليد جنبلاط المستفيد الاكبر من الغاء الطائفية السياسية، لان التعويض على الطائفة الدرزية سيكون رئاسة مجلس الشيوخ الذي ستناط به القضايا الاساسية والمصيرية في دولة لبنان الآتي، كما ان اجراء انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي سيسمح للزعيم الدرزي، ولزعماء الطوائف الاسلامية الاخرى، بحصد الاكثرية الساحقة من المقاعد النيابية، بعد التغيّرات الديموغرافية التي طرأت على الوجود المسيحي في جميع المحافظات بما فيها محافظة جبل لبنان مركز الثقل المسيحي، ولذلك فان مسارعة جنبلاط الى دعم حليفه الرئيس برّي، يمكن فهمها من هذه الزاوية، وعلى الاخرين ان يفهموا ويتفهموا تحفّظ المسيحيين وتخوّفهم من هذه القفزة في المستقبل المعروف منهم، بأنه سوف يكون مستقبلاً غير مشرق بالنسبة اليهم، لانه سوف يكون نهاية وجود الدولة الوحيدة ذات الوجه المسيحي في هذا الشرق المسلم.

* * * * * *
اذا كان الرئيس برّي مصرّاً على فتح هذا الملف الملتهب، على الرغم من معرفته بخطورته وحساسيته، فانه يكون ربما يرمي صنّارته في هذا المكان، ليصطاد سمكة في مكان آخر، قد تكون في ملف التعيينات مثلاً، او لتعطيل اي دعوة لاجراء تعديلات دستورية تطال صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة، او كما اشيع، لتجويف دور طاولة الحوار عند بدء مناقشة الاستراتيجية الدفاعية، لان المضيّ في طرق هذا الباب، دون الاخذ في الاعتبار تداعياته السيئة التي يمكن ان تحصل، والتي قد يكون اولها الاصرار على الغاء الطائفية من النصوص والنفوس والقوانين، واعلان لبنان دولة مدنية، الدين فيها للكنائس والجوامع والخلوات، مع ممارسة الشعائر والطقوس بكل حرّية واحترام، بعيداً من الحكم والحكومة وتقاسم الدولة طائفياً، امّا ثانيها فالبدء في تطبيق اللامركزية الادارية الموسّعة التي تعطي لكل مكوّن من مكوّنات هذا الوطن اقصى ما يمكن من القدرات التي تساعده على انهاض مناطقه في نظام حكم يحفظ وحدة لبنان مركزياً.

* * * * *
ان التركيز اليوم، يجب ان ينصبّ على امرين اثنين لا ثالث لهما، الاول، مواكبة نشاط رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ورئيس الحكومة سعد الحريري في سعيهما لاقامة شبكة امان داخلية قائمة على العقلانية والموضوعية والهدوء والمصالحات والانصراف الى تثبيت دعائم الدولة وتحقيق مطالب الناس المزمنة، وتوفير اكبر حجم من الصداقات والتعاون والتأييد من الدول الشقيقة والصديقة القادرة على تمتين شبكة الامان الداخلية بما تملك من تأثير ونفوذ وقدرة وهيبة، ومتى تمكّن لبنان من اجتياز الاخطار والمطبات والصعاب التي تعترض طريق تقدمه وتهدد سلامته، يمكن عندها للملفات الداخلية الصعبة ان تفتح دون خوف من انفجارها بوجه الكلّ.

المصدر:
الديار

خبر عاجل