#adsense

الثالثة والثلاثية و… المثلّث !

حجم الخط

الثالثة والثلاثية و… المثلّث !

تشكّل القمة الثالثة بين الملك عبد الله والرئيس بشار الاسد "شرفة سياسية" تطل على توقعات أو بالأحرى تمنيات عربية، أن تتحول قمة ثلاثية بانضمام الرئيس حسني مبارك اليها، وهو امر احتل مركزاً متقدماً في توقعات السياسيين والمراقبين.
وتشكل القمة الثلاثية في حال حصولها من حيث معناها والمضمون عودة المثلث العربي، الذي طالما شكل قاعدة أساسية للتعاون واطاراً سياسياً للتضامن ومظلة قومية لتوحيد الكلمة حيال قضايا الامة.

مسألة "ترتيب أوضاع البيت العربي" كانت ولا تزال، في طليعة اهداف خادم الحرمين الشريفين وهمومه، والآن يشارك الرئيس السوري في هذا الأمر. وكان واضحاً في قمة الكويت الاقتصادية، أن الملك عبد الله قام بمفاجأة الجميع بإعلان مبادرة المصالحات العربية، التي مثّلت "حركة تصحيحية" في العلاقات المتأزمة بين العرب، لأنه وجد أن الاخطار والتحديات المتزايدة التي تواجه الدول العربية تفرض عليها العودة الى "روح التضامن" الذي طالما شكّل أساساً محورياً لسياسة السعودية.

منذ ذلك الحين، حققت مبادرة التصالح تقدماً انعكس تحديداً على الوضع في لبنان، وخلقت نوعاً من ترطيب الاجواء بين القاهرة ودمشق. وكذلك على صعيد السعي لإعادة التفاهم بين "فتح" و"حماس". وفي موازاة كل ذلك برزت، أو بالأحرى تفاقمت تحديات إقليمية ودولية تواجه الوضع العربي، ويبدو أنها كانت في أساس الحسابات التي دفعت الملك عبد الله الى إعلان مبادرته في قمة الكويت.

❑ ❑ ❑

يكفي الآن أن ينظر المرء الى الخريطتين السياسية والأمنية في المنطقة، لكي يدرك خطورة هذه التحديات التي تفرض بالضرورة القصوى، أن تتحول القمة الثالثة في الرياض ثلاثية بانضمام الرئيس المصري إليها، بما يعيد إحياء مثلث القوة العربي على ما أشرنا.
في الخريطة السياسية تنزلق إدارة باراك أوباما نحو المواقف الإسرائيلية من مسألة التسوية السلمية بما يعني تكراراً أن هذه التسوية ستبقى عالقة في مواجهة الصلف الإسرائيلي وتطرّف بنيامين نتنياهو وزمرته.

إن فشل التسوية سيفاقم الأوضاع وسرعان ما سيدفع الى قيام عدوان إسرائيلي جديد على قطاع غزة. وحتى في حال مارست واشنطن ضغوطا جادة على تل ابيب لانجاح مهمة جورج ميتشل، فإن نتنياهو قد يشعل حرباً في الجنوب كما في الشمال، لتجاوز الخضوع لمتطلبات التسوية. ثم ان اي تحريك للتسوية في معزل عن ضرورة اكمال الانسحاب من جنوب لبنان، وكذلك من هضبة الجولان، سيبقي الأزمة في مكانها.

في المقابل، إن فشل الجهود الديبلوماسية لحل مسألة النوويات الإيرانية، قد يؤدي الى قيام اميركا واسرائيل بتوجيه سلسلة من الضربات المجنونة والحمقاء الى المنشآت النووية في إيران، وهذا سيشعل حريقاً كبيراً في المنطقة كلها، من عمق الخليج الى غزة مروراً بلبنان. وهو ما يفرض بالضرورة وجود تضامن عربي حقيقي يواجه هذه الاخطار، كما يقف في وجه التدخلات الاقليمية الايرانية، التي تحاول امتلاك مزيد من اوراق الضغط والمساومة لمعالجة أزمتها النووية مع الغرب، ويكفي هنا التأمل في أحداث اليمن والتحرك الحوثي تحديداً.

وكان واضحاً في نظر الرياض أن المنطقة العربية برمتها صارت في غياب التضامن والتكاتف العربيين، مجرّد ساحة للعدوان الإسرائيلي من جهة، والتدخلات الإيرانية من جهة ثانية، وللطموحات التركية "الامبراطورية" من جهة ثالثة. وعندما حصل العدوان البربري ضد قطاع غزة انكشفت كل عورات السياسة الاقليمية، التي لم تكتف بما كانت قد فعلته عندما عملت على إسقاط "اتفاق مكة" بين "فتح" و"حماس"، بل سارعت الى محاولة استثمار مذبحة غزة، كمبرر للتحريض على الانظمة العربية والدعوة الى اسقاطها وإغراق المنطقة كلها في الفوضى.

❑ ❑ ❑

كان من الضروري القيام بمبادرة جريئة وسريعة وشجاعة لمنع انهيار الوضع العربي اكثر مما هو عليه من الانهيار. وعندما اعلن خادم الحرمين الشريفين في قمة الكويت ضرورة نبذ الخلافات والعوة الى روح التضامن، انفتحت البوابة العربية على سلسلة متصلة من اعادة ترتيب الاوضاع. واللقاء الرباعي الذي جمع الملك عبد الله وامير الكويت الشيخ صباح الاحمد الصباح، والرئيس بشار الاسد والرئيس حسني مبارك، شكّل أساساً لإعادة ترميم "المثلث العربي". ولهذا، وقياساً بالجهود السعودية الحثيثة والمثابرة على خط دمشق والقاهرة، تبدو القمة الثنائية الثالثة بين الملك السعودي والرئيس السوري وكأنها منطلق حتمي متوقّع لقمة ثلاثية يحضرها الرئيس المصري!

زيارة الامير سعود الفيصل لدمشق ثم للقاهرة عشية القمة، واستقباله خالد مشعل في الرياض ودعوته صراحة الى ان تقرر "حماس" مع من تقف مع العرب او العجم. ورد مشعل بأن مرجعية "حماس" هي العرب والعروبة، كل ذلك أوحى إمكان قيام المصالحة مع "فتح" عبر توقيع "حماس" الورقة المصرية، وخصوصاً ان مشعل كان قد زار دمشق عشية القمة.

كان ضرورياً إعادة تصليب الموقف العربي أمام ما تعدّه واشنطن لمعاودة التسوية وما تخططه تل أبيب للعدوان وإفشال التسوية كما هو معروف. وبازاء كل هذا يبدو أن الارتياب أخذ مداه الأقصى في طهران، على خلفية التساؤل: لماذا تفعيل ترتيب الوضع العربي؟ ولماذا زيارة الرئيس الاسد للرياض مرة جديدة، وخصوصاً أن دمشق أعلنت تأييدها تكراراً لليمن ووحدة أرضه وشعبه، كما سبق لها أن أيدت السعودية في تصديها للمتسللين الحوثيين الى أراضيها، في وقت يبدو واضحاً تماماً من خلال تصريحات المسؤولين الإيرانيين أنهم يدعمون التمرّد الحوثي بكل الوسائل؟

❑ ❑ ❑

فجأة وصل منوشهر متكي الى دمشق عشية سفر الأسد الى السعودية، وفجأة مع وصول الأسد الى الرياض اختار الرئيس محمود احمدي نجاد ان يقف ويوجه الاتهام الايراني المتكرر والمستغرب الى السعودية، بأنها تضرب الحوثيين، في حين يقوم هؤلاء بالتسلل الى داخل الاراضي السعودية والقيام بالاعتداء على قوات الامن هناك، وفي حين تزداد معالم التدخل الايراني في شؤون اليمن والسعودية والعرب!

لكن الامر بدا واضحاً ومكشوفاً. عندما قال الامير سعود الفيصل بكل ما يملك من دهاء ديبلوماسي رداً على نجاد: "اعتقد انه كاد المريب ان يقول خذوني". لم يكن الفيصل بالتأكيد يقصد الاشارة الى حرص طهران على الحوثيين الذين تحركهم ضد اليمن وتستعملهم للاعتداء على السعودية، بل كان يقصد الارتياب الايراني العميق من قمة عبد الله والاسد وامكان نزول مبارك فجأة في الرياض.

وزيادة في هذه الريبة، جاء البيان عن محادثات القمة الثنائية ليتحدث عن ضرورة تنقية الاجواء العربية وتوحيد الصف وتعزيز العلاقات "من دون اي تدخل خارجي"، وليوضح ايضاً ان الجانبين اكدا دعمهما لليمن وقيادته وحرصهما على أمنه واستقراره.
واذا كان سعود الفيصل أشار الى ان القمة بحثت في "المصالحة العربية"، فمن المتوقع، لا بل من الضروري، ان تنفتح صفحة المصالحة بين "فتح" و"حماس"، ليكتمل عندها المثلث بترسيخ المصالحة بين مصر وسوريا!

المصدر:
النهار

خبر عاجل