أبدى نائب رئيس الحكومة السابق اللواء عصام أبو جمرة خشيته من أن ينزلق "التيار الوطني الحر" نحو منطق التوريث، مضيفاً: "نحن الذين نشأنا وتكاثرنا على أشلاء الأحزاب التي تستند إلى الفرد والعائلة"، منبها إلى أن الأحزاب المماثلة اندثرت مثل الكتلة الوطنية والأحرار أو ضعفت مثل الكتائب، وبالتالي فإن الهدف من المنحى التصحيحي أو الإصلاحي الذي أنادي به هو اكتساب مناعة إضافية للحؤول دون انتقال عدوى النزعة الفردية أو الاحتكار العائلي إلى التيار القائم على حيوية الديمقراطية ومحاربة الإقطاع".
أبو جمرة، وفي حديث لصحيفة "السفير"، اوضح انه باق في التيار الوطني الحر "لأن التيار جزء مني وأنا جزء منه، ومن يرفضني يستطع أن يغادر هو، أما أنا فمكاني الطبيعي والدائم في قلب التيار".
وشرح كيف انه وافق على أن يخوض معركة الأشرفية الصعبة خلال الانتخابات النيابية الأخيرة كرمى لعيون "التيار" والنائب ميشال عون، وكيف أنها كلفته الكثير معنويا وماديا مشيراً الى انه كان يعرف منذ البداية أنه يخوض مجازفة محفوفة بالمخاطر"، مستعيدا المحطات النضالية المشتركة مع عون من أيام الجيش وصولا إلى الحكومة العسكرية وتجربة المنفى، انتهاء بالعودة إلى لبنان وما تلاها من معارك سياسية صعبة، ليتبين له في نهاية المطاف أن "من ضحى جرى تهميشه".
واشار إلى أنه لم يكن قادرا على تقبل طريقة التعامل مع ملف المشاركة في الحكومة والتي عكست الحاجة الملحة إلى الإسراع في تقويم الاعوجاج. ومنعا للاجتهاد والتأويل في تفسير موقفه الاعتراضي، مشددا على "عدم القبول بتعيين وزراء باسم التيار من خارجه، وهو المزدحم بالكفاءات والطاقات، لا سيما أن الجنرال عون لم يتخذ هذا القرار بالتشاور معنا، وعلى "الاعتراض على عدم اختيار وزير أرثوذكسي من ضمن حصة التيار، برغم الفوز في الانتخابات النيابية بقرابة 75 في المئة من أصوات المسيحيين الأرثوذكس"، وعلى "رفض التخلي عن موقع نائب رئيس الحكومة الذي خضنا من أجل تعزيزه مواجهة حادة مع الرئيس فؤاد السنيورة، وأنا شخصيا كنت رأس حربة في هذه المعركة، فإذا بالحصيلة لا تتناسب وحجم الجهد الذي بُذل".
وانطلاقا من هذه الاعتبارات التي أفرزها مخاض تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، يضيء أبو جمرا على ما يرى انه مكامن خلل تنظيمية تتمثل في تجاوز النظام الداخلي للتيار والذي ينص على تشكيل مجلس وطني هو بمثابة مجلس نيابي، وهيئة تنفيذية واختيار معاونين للقائد، لافتا الانتباه إلى أن مثل هذه الإجراءات كفيلة بتحقيق الرقابة المطلوبة والشراكة في القرار.
ويقول أبو جمرا "انه وبرغم المرارة الشديدة التي شعرت بها نتيجة تجاهل مآخذي، كنت حريصا على لملمة الموضوع لقطع الطريق على المصطادين في الماء العكر، وبادرت قبل أكثر من أسبوعين إلى زيارة العماد عون في الرابية، ثم ظهرت على شاشة الـ"أوتي في" وتعمدت أن أعطي انطباعا بأن الاجتماع كان إيجابيا من أجل إعطاء فرصة للتفاهم، علما أن اللقاء لم يكن إيجابيا ولم نتوصل خلاله إلى معالجة نقاط الخلاف بيننا، لكن وبدلا من ملاقاة حسن النية لدي فوجئت في اليوم التالي بمواقف حادة تصدر عن الوزير جبران باسيل، فاضطررت إلى الرد عليه".
ويستهجن أبو جمرا ألا يبادر العماد عون إلى دعوته للمشاركة في لقاء المصارحة والمصالحة مع النائب وليد جنبلاط في الرابية والذي حضره قياديون من التيار الوطني الحر إلى جانب قياديين من الحزب التقدمي الاشتراكي، متسائلا: هل يجوز أن يصبح التفاهم مع وليد جنبلاط أو سعد الحريري أسهل من التفاهم معي، وهل يعقل أنه في الوقت الذي يصالح فيه الجنرال خصومه السابقين، يختلف مع أحد أبرز المقربين منه ورفاق دربه؟.
وأكد أبو جمرة أنه أعطى أكثر من إشارة حسن نية لتجاوز الواقع الراهن إنما من دون نتيجة، قائلا: "أنا رجل مبدئي ومؤسس في التيار، لا شيء يغريني أو يخيفني، لقد فقدت الكثير خلال مسيرتي، باستثناء الكرامة والشرف، ولن أتخلى عنهما الآن… في حياتي كلها لم أكن ممن يقفون في الصف ولن أفعلها".
لكن، وبموازاة كل هذه الاعتراضات، حرص أبو جمرا على عدم إعطاء موقفه أبعادا تتجاوز الحجم الذي يريده لها، مؤكدا انه لا يقود حركة انقلابية أو انشقاقية، بل يدعو إلى التصحيح والإصلاح من داخل التيار وتحت سقفه. وأكثر من ذلك، يقطع الطريق على أي محاولة للاستثمار السياسي على خلافه الحالي مع عون من خلال توضيحه بأن خياراته السياسية الكبرى ما تزال ثابتة وتشكل امتدادا للخط الاستراتيجي للتيار الوطني الحر سواء بالنسبة إلى التفاهم مع حزب الله أو العلاقة السليمة بسوريا.