الرئيس ميشال سليمان على حق عندما يقول ان الاستقرار السياسي والامني مدخل إلى الاصلاح ، وكأنه يقول ان ساعة الاصلاح قد دقت بعد طول تأخير ، وأن أوانه قد حان بعدما تحسن الوضع الأمني وترسخ الاستقرار السياسي.
ما تحقق في غضون أقل من عامين كان جلياً ومهما في محطات واستحقاقات دستورية وسياسية متلاحقة حيث كان آخرها حكومة الوفاق الوطني التي طوت صفحة من الصراع السياسي المرير الذي كاد يخرج عن السيطرة في وقت من الاوقات . وبات بالامكان الآن التفرغ لمهمة اعادة بناء الدولة ، ادارات ومؤسسات ، نهجاً وممارسة . والامر يتطلب اولاً سرعة المبادرة لتعويض ما فات وتعبئة ما شغر من مراكز وانجاز ما تكدس من ملفات . ويتطلب ثانياً رغبة اكيدة ومخلصة في الاصلاح والتحديث والتطوير لرفع مستوى الادارة الرسمية وانتاجيتها وجعلها تلبي حاجات اللبنانيين وطموحهم …
ان التعيينات الادارية المطروحة في كواليس الحكم والسياسة قبل ان تطرح على طاولة مجلس الوزراء ، تكتسب أهمية قصوى ليس في كونها الملف الاول الذي تتصدى له الحكومة ويشكل اختباراً مبكراً لتماسكها ونهجها وقدرتها على اتخاذ القرارات ، وانما لأن التعيينات ستكون مؤشراً حاسماً إلى امكانية اطلاق اصلاح فعلي في الدولة أو إلى استمرار الوضع على حاله من الاستنقاع والتخلف المتوارث . التعيينات هي بداية الاصلاح والخطوة العملية الاولى على طريق الاصلاح الطويلة … واذا كان الاستقرار هو مدخل الاصلاح ، فان الاصلاح هو المدخل إلى الدولة وباب العبور اليها . ومثلما ان الاستقرار السياسي والامني انجاز عظيم وهو الذي جلب في السنة الماضية الخير إلى لبنان ودفق الاستثمارات والسياح والمغتربين ، فان الاصلاح انجاز اعظم وهو يجلب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ، ويعزز ثقة المواطن بدولته ومستقبله .
من المؤسف حقاً ان نفوّت كلبنانيين ومسؤولين هذه الفرصة المتاحة لولوج مرحلة الاصلاح والانطلاق في عملية اعادة بناء الدولة على اسس سليمة وعصرية . ولنكن واقعيين وعمليين ونخفض سقف طموحاتنا ونبدأ بالخطوة الاولى والاسهل ومن " التعيينات " بدل ان نكبر حجرنا ونطرح مسائل صعبة ومعقدة مثل الغاء الطائفية السياسية . فما نفع الحجر الكبير اذا كانت الشجرة التي ترشق به لا تعطي ثماراً ، وما نفع الطموحات الكبيرة اذا لم تجد سبيلاً لتنفذ على ارض الواقع …
ولا نبالغ اذا قلنا ان الاصلاح انطلاقاً من التعيينات هو الخطوة الاولى في رحلة الالف ميل لإلغاء الطائفية السياسية . فهذا الالغاء لا يمكن ان يتم إلا في ظل ظروف ومناخات مساعدة وملائمة لا يكون فيها مكان للطائفية فكراً ونهجاً وممارسة. وقبل ان نطرح الامور من آخرها ، فلنبدأها من اولها وليكن الاصلاح بمعناه الواسع هو نقطة الانطلاق واشارة البدء .
الاصلاح المنشود يبدأ بالتعيينات ولا ينتهي معها . فمن المهم جداً اعتماد معيار الكفاءة واختيار الرجل المناسب في المكان المناسب ، ومن المهم ايضاً ايجاد آلية لملء المراكز الادارية من شأنها ان تخفف من سلبيات وسيئات المحاصصة السياسية والطائفية ، كما من المهم رد الاعتبار للهيئات والمجالس الرقابية وتفعيل دورها ومهامها … ولكن كل هذا لا يكفي لوحده اذا لم يتم تحرير اللبنانيين من الولاءات للزعامات والكيانات الطائفية ، ولم يتم تحييد الادارة عن الصراع السياسي واذا لم ترفع يد السياسيين عن الادارة والمؤسسات الرسمية ولم ترفع كل انواع الحمايات والتغطيات والتدخلات … ولنا في المؤسسة العسكرية خير مثال ونموذج يحتذى به بعدما نجحت قيادتها في وضع حد للتدخلات السياسية في الجيش وفي ان تنأى به عن التجاذبات والصراعات ليبقى صمام الامان وضمانة الاستقرار…
ومع هذا الارتقاء المتدرج في عملية بناء الدولة وفق منهجية اصلاح وتطوير ، تبنى الدولة على اسس ثابتة ومتينة ، ويتم فعلاً العبور من الحالة الطائفية إلى الحالة الوطنية ، ومن دولة الطوائف إلى دولة لا طائفية يكون فيها الوطن فوق كل اعتبار والولاء له لاغياً لأي ولاء آخر.