#adsense

اغتصاب وثيقة الطائف والتطبيل في عرسها

حجم الخط

اغتصاب وثيقة الطائف والتطبيل في عرسها  المحامي جورج ابو صعب
المحامي جورج ابي صعب


وكأنه لم يكف الرئيس بري وحلفاؤه وفي طليعتهم الاخوة في "حزب الله" ما زرعوه على الساحة السياسية والوطنية من انقسامات وفوضى وتناحرات وصدامات كي يأتي اليوم ويضيف الى الصدام صدام والى المشاكل والعقد المتراكمة مشكلة وعقدة جديدة ظاهرها جيد ومشروع لكن توقيتها وطريقة عرضها واهدافها ما دونها جميعا شكوك وتساؤلات وارتياب.

1- فبادىء ذي بدء نسأل الرئيس بري هل قرأ جيدا اتفاق "الطائف" واطلع على ما تضمنه من خطوات لم تنجز ويتحمل هو شخصيا مسؤولية عدم انجاز قسم كبير منها كونه رئيس ثاني المؤسسات الدستورية الكبرى في البلاد وسلطة التشريع والرقابة والمحاسبة وقد بادر الى اعطاء المثال غير الصالح في اكثر من مناسبة عن استخفافه وضربه للمؤسسات والحياة الدستورية لم ينساها له اللبنانيون ولو يحاولون كل يوم القفز فوق الماضي لمحاولة الترميم لمستقبل نرجوه افضل .

فما لا نفهمه لدى الرئيس بري هذا الامعان من جهته على اثارة فئة من اللبنانيين من اكثر من طائفة ومذهب واستفزازها باستمرار من خلال طرح الغاء الطائفية السياسية متماشيا بذلك مع منطق حليفه الاقرب "حزب الله" في امعانه بمعاندة قسم كبير من اللبنانيين وفرض ارائه وتصوره عليهم على طريقة العنزة ولو طارت وقد احسن الرئيس الشيخ سعد الحريري بتذكيره ولو بطريقة غير مباشرة منذ يومين انه اذا كانت هناك مواقف لا تحبذ الغاء الطائفية السياسية فهذا يعني ان لا اجماع عليه تماما كما ان لا اجماع على ايجاد حل لسلاح "حزب الله" لان ثمة من لا يحبذ هذا الموضوع .

فالرئيس بري بطرحه الاستفزازي في مضمونه وتوقيته وشكله انما يساهم في زيادة الشرخ والتباعد بين اللبنانيين بينما في الوقت عينه يدعي المساهمة في توحيد اللبنانيين وفي تقوية حكومة الوحدة الوطنية الحالية – تناقضا لم نعد نفهم اهدافه ومراميه الا من باب تسجيل الموقف لمحاولة رمي العرقلة او التأخير مستقبلا على الاخرين واتهامهم بانهم لا يريدون تطبيق الطائف وهي لعبة مكشوفة لن تنطلي بعد اليوم على احد لان الرئيس بري مطالب اكثر بكثير من مجرد اقرار الهيئة العليا لالغاء الطائفية السياسية ولن تجديه محاولته اليوم تبرئة نفسه من نصوص الطائف على قاعدة انه اقترح ولم يستجاب له.

2- بالعودة الى النص والاحتكام الى ما جاء في وثيقة "الطائف" وفي المادة (95) من الدستور نلفت انتباه الرئيس بري كما حلفائه الى ما يلي:

أ‌- ان النص يلقي على عاتق مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية: ما يعني ان مجلس النواب من خلال سن تشريع خاص يجب ان يبت بموضوع تشكيل هيئة الغاء الطائفية السياسية – ومن يقول مجلس النواب لا يختزله رئيسه اذ لو دعى هذا الاخير المجلس الى الانعقاد ولو عرض عليه اقتراح قانون او مشروع قانون بتشكيل الهيئة المذكورة يبقى المجلس سيد نفسه في رفض اوقبول المشروع – وفي ظل الغالبية البرلمانية الحالية التي تشكلها الاكثرية النيابية التي لا تزال موجودة والرافضة للموضوع بالشكل الذي يطرح اليوم فان المشروع يعتبر ساقطا مسبقا سياسيا ودستوريا – بدليل مواقف قوى "14 اذار" في شقيها المسيحي والاسلامي بالاضافة الى مواقف "التيار الوطني الحر" الحليف للرئيس بري وخطه السياسي.

ب‌- ان مجلس النواب بموجب النص لا يستطيع ان يتحرك الا بناء على اما مشروع قانون تتقدم به الحكومة تبعا للمادة ( 65) من الدستور واما بمقتضى اقتراح قانون يتقدم به عشرة نواب على الاقل – علما انه وامام احتمالات رفض الموضوع من قبل الاكثرية البرلمانية يصبح من المتعذر على النواب اصحاب الاقتراح ان يعودوا الى طرح الموضوع ثانية في العقد نفسه بموجب المادة (38) من الدستور- وبالتالي ان مشروع القانون يحتاج الى موافقة اكثرية الحضور – اي ان وزراء الاكثرية لوحدهم يكفون لاسقاط اي اكثرية دستورية يتطلبها النص ( كون الغاء الطائفية السياسية وتشكيل الهية الوطنية ليسا من القضايا الاساسية التي تحتاج الى نصاب الثلثين الموصوف دستوريا في المادة 65 من الدستور ) – كذلك فان اقتراح القانون في مجلس النواب – ان لم يأمن حوله اجماع وطني او نصاب اكثري لتأييده فانه لا يرى النور وعبثا يحاول الرئيس بري عندها الكلام والشرح والاقناع …

ت‌- فانطلاقا من الملاحظات الدستورية اعلاه في قراءة موضوعية لاحكام الدستور واتفاق الطائف – يتضح لاي مطلع بان قرار تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية ليس بيد رئيس المجلس النيابي – الذي يحق له ان يقترح وان يبدي قناعاته ويعبر عن رؤيته وعن موقفه ولكن دون ان يخوله هذا الحق سلطة ابتزاز الاخرين سياسيا ايحاء منه بأنه الامر والناهي في مجلس النواب وبانه يستطيع ترجمة مواقفه الى قرارات حاسمة في البرلمان – بل ان مثل هذا القرار الوطني الكبير يتطلب توافقا على مستوى الرئاسات الثلاث الكبرى اذ ان النص الدستوري يعطي رئاسة الهيئة العتيدة لرئيس الجمهورية الذي لم يبد موافقته الى الان على المبادرة وان كان يوافق ( كما كل اللبنانيين ) على المبدأ – وعضويتها لكل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وهذا الاخير – الرئيس سعد الحريري ومن خلال مواقفه ومواقف نواب ووزراء تكتل لبنان اولا وتيار المستقبل لا يحبذون اسلوب وتوقيت طرح الرئيس بري للهيئة – انطلاقا من ان المطالبة حق يراد بها باطل وبالتالي يعارضون الرئيس بري واسلوب وتوقيت طرحه للموضوع – ما يعني عدم مشاركة الرئيس الحريري في اي هيئة وطنية لا تحظى باجماع او توافق لبناني جامع – تمشياً مع مبدأ الديمقراطية التوافقية التي ينادي بها الرئيس بري وحلفاؤه – عند تصديهم لقضايا وطنية ومصيرية لا تروق لهم وان كانت دستورية ومشروعة وشرعية وقانونية ومنطقية وتصب في مصلحة لبنان العليا.

3 – اما من ناحية سياسية اخرى فان اعجب ما يتبادر الى الذهن ونحن نستمع الى مواقف الرئيس بري – ان كل المواقف التي يتخذها وحلفاؤه في "حزب الله" – تصب في منطق واحد لا ثاني له: اعطونا كل ما نريده لنرى ما يمكننا ان نعطيكم اياه فيما بعد – او بعبارة اوضح ما لنا هو لنا لا يسمح لاحد بان يشاركنا فيه وما هو لكم هو لكم ولنا.

فالرئيس بري وللاسف – ونقولها بصراحة وانفتاح – لم يترك للمصداقية مكان عند خصومه السياسيين في "14 اذار" – وقد دأب منذ 2005 الى انتهاج سياسات ضرب النظام اللبناني والاسس الدستورية للحياة السياسية والعامة في لبنان – وضرب المؤسسات وشلها – وتعطيل دور مجلس النواب المراقب والمحاسب والمشرع – وصولا الى انحيازه الاعمى الى جانب السلاح غير الشرعي ودفاعه المستميت عنه – يسانده حديثا في هذه المهام حليفه اللدود العماد عون – وقد دلت مسيرته منذ 2005 ( كي لا نتكلم عما قبل هذا التاريخ مما كان له من اياد سود في زمن الوصاية ) على انه لم يقم يوما اي وزن لاتفاق الطائف – وقد ذهب الى الدوحة مخاصما قسم كبير من اللبنانيين مرتضيا كرئيس لمجلس نواب صيغة تسوية ضربت بالعرض والطول اتفاق الطائف ودور وهيبة مؤسسات الدولة وفي طليعتها ام المؤسسات المجلس النيابي الذي يرأسه – وهو بالتالي لم يبد يوما حرصا وشغفا في الدفاع عن الطائف وفي تطبيق الطائف خاصة لجهة بنود الطائف كافة وقد تخاذل ( الى الان ) في اقرار اللامركزية الادارية وتسريعها – كما تخاذل في اقرار قانون انتخاب جديد على اساس تقسيمات ادارية جديدة في قانون جديد هي الاخرى – مكتفيا بما املته عليه قوى الوصاية في زمن النظام الامني السوري – اللبناني – وصولا الى تعطيله دور البرلمان والحياة الديمقراطية ونصوص الدستور والطائف كافة.

وها ان وزيرا من حركته الاستاذ علي عبدالله يصرح منذ ايام بان المقاومة وسلاحها باقون ما بقيت اسرائيل على حدودنا – طالبا من الاخرين استهلاك وقتهم وخطاباتهم في اشياء اخرى تفيد اللبنانيين بدل الاستمرار في الحديث عن السلاح – اي ان وزيرا من حركة أمل التي يرأسها الرئيس بري تجاوز ما قد لم يقله بعد قياديو "حزب الله" ربما بهذه الوقاحة والسلطوية – ليصل الامر به الى ما يشبه الفرض بالقوة لوجهة نظر السلاح غير الشرعي على وجهة نظر الدولة والمؤسسات والشرعية وعلى وجهة نظر قسم كبير من اللبنانيين – مسلمين ومسيحيين – لا يقبلون باستمرار السلاح غير الشرعي وباضعاف الدولة وبتفتيت سيادتها عبر المربعات الامنية والدويلات ضمن الدويلات …

ومع ذلك يغضب الرئيس بري و"حزب الله" ان لوح الاخرون بنوع من لامركزية سياسية او فدرالية مخففة فيما يتغاضى عن فدرالية "حزب الله"" لا بل عن دولة "حزب الله".

ويغضب الرئيس بري و"حزب الله" ان تكلم الاخرون عن تقوية الدولة وتوحيد السلاح بيد الدولة صاحبة السيادة والسلطة الشرعية فيما يتغاضى الرئيس بري عن سلاح يوجه الى الداخل ضد اللبنانيين في 7 ايار وسواها.

ويغضب الرئيس بري و"حزب الله" ان تكلم الاخرون بان لبنان لا يستطيع ان يدخل لعبة المحاور الاقليمية والدولية والافضل له ان يكون حياديا وان يكون حياده ايجابي ويلعب دورا كبيرا في التزام القضايا العربية والقومية وفي طليعتها قضية فلسطين فيما يتغاضى عن تحالف "حزب الله" القوي مع ايران ويتقبل ان يتحول لبنان باسره هدفا اسرائيليا يدفع لبنان وحده ثمن تعريضه له باسم ايران وسوريا ومحور المواجهة – وقد نسي الرئيس بري ما تكبده لبنان في تاريخه السياسي الحديث من اثمان عندما انطلقت الناصرية في الخمسينات من القرن الماضي – ثم كيف دفع لبنان ثمن الانقسام بين حلف بغداد والعروبيين – وكيف عاد ودفع لبنان فواتير الانقسام العربي – العربي والانفصال السوري المصري وصولا الى الصراع بين البعثيين والناصريين – وكيف دفع لبنان ثمن انقسام القوى العروبية في المنطقة على نفسها كلما انقلب نظام في سوريا او العراق – فالرئيس بري نسي تاريخ لبنان وتاريخ صراعات الاخرين على ارض لبنان منذ 1975 وما قبلها وما بعدها …

ومع هذا كله … يعلن اليوم تعلقه بالطائف فقط … بند الغاء الطائفية السياسية … وفي مقابل ماذا؟

فطالما ان ميزان القوى اللبنانية الداخلية فاقد لتوازنه في ظل طغيان "حزب الله" وسلاحه وسلاح فلسطينيي المواجهة المنفلت من عقاله، وطالما ان في لبنان دويلات مسلحة تفوق قدرة وقوة قدرات وقوة الدولة وجيشها وقواها الامنية، وطالما ان الشيخ نعيم قاسم يطل علينا مستخفا ومستهزئا ومستكبرا على ابناء وطنه لا بل شركائه في الوطن – ان هم "ازعجوه " بالمطالبة الوطنية بتسوية موضوع السلاح لحساب بناء دولة قوية وقادرة على مواجهة العدو، فان اي بحث باي الغاء للطائفية السياسية ولو في خطواته الاولى لن يتم ولن يحصل – لان من يبحث اليوم في الغاء الطائفية السياسية انما يريد تغليب منطق العددية بقوة السلاح – فقد قرأنا جيدا تصاريح الجميع واطلعنا بما فيه الكفاية على حقائق وخلفيات المواقف والنصائح …

فان اردتموها ديمقراطية توافقية … فلتكن في كل شيء توافقية …

وان اردتم تطبيق "الطائف" بتطبيق كل ما لم يطبق من الطائف الى الان سلة واحدة تعيد الامور الى نصابها الوطني السوي …

وللغيارة على وثيقة الطائف – في تفسيرهم المجزأ لها – نذكرهم بانهم ومنذ زمن اغتصبوها فهل يطبلون اليوم في عرسها …؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل