تقفز إلى الضوء محاولات بائسة خصوصاً إذا ما قدّم أحد العاملين في إطار المحكمة استقالته انتقالاً لموقع جديد، وهذه ليست المرّة الأولى ولن تكون الأخيرة بالتأكيد، فثمّة من يتمنّى أن ينام ويستيقظ ليكتشف أن المحكمة الدوليّة كانت مجرّد كابوس رآه لا أكثر، والحقيقة عكس ذلك تماماً، إلا أنّها لحظة تصيّد لتوحي للبنانيين بأنّ المرحلة "ركنت على رفّ" تسويات قد تحدث في المنطقة، والواقع أن "التسويات" هي المركونة حتى الساعة على رفّ المنطقة..
ليست المرّة الأولى، ولن تكون الأخيرة، إلا أنّ "المضحك" في هذه المحاولات اليائسة أنّها تتجاهل بل تقفز فوق حقائق أساسية ليس بالإمكان تجاوزها، فمنذ أسابيع قليلة وقعت المحكمة "ومرتين" عقوداً مع الأنتربول الدولي تحصيناً لاحتمالات توقيفات قد تناط بالأنتربول عملية تنفيذها..
ومنذ أسابيع ليست بكثيرة زار دانيال بلمار لبنان، بعدما أَنْهَك كثيرون لبنان بالحديث عن "مرضه" إلى حدّ جعل أحدهم يقول:"بلمار عم بيموت"، وانتهى المشهد السخيف بجولة لبلمار امتدّت أكثر من أسبوع ذيّلها بتفاؤله الذي رفض الكشف عن أسبابه..
أيضاً التأكيد الذي سمعناه عن التحفّظ الشديد عن سير التحقيق وتقدّمه حرصاً على عدم استشفاف المجرمين الذين ارتكبوا سلسلة اغتيالات مروّعة بحق رجالات لبنان، ومع هذا مازال هناك مَن يحاول أن يرمي سهم "يأس" من المحكمة وسير عملها في قلوب اللبنانيين…
آخر هذه المحاولات اليائسة جاءت مع استقالة ديفيد تولبرت رئيس قلم المحكمة الخاصة بلبنان استعداداً لتوليه منصب رئيس في المركز الدولي للعدالة الانتقالية الذي يُعنى بحقوق الإنسان ومقرّه نيويورك، ومع أن تولبرت أكد أن استقالته لن تضرّ بعمل المحكمة، شارحاً أنه حصل على فرصة مهنيّة كبيرة لترؤس المركز الدولي للعدالة الانتقالية، وهي منظمة رائدة في القضاء الدولي والعدالة الانتقالية حيث سيتحمّل مسؤولية مكافحة الإفلات من القضاء، واعتبر تولبرت أنّه يغادر المحكمة من أجل فرصة نادرة أتيحت له، ولم ينسَ التأكيد أنه يغادر في وقت بلغت فيه المحكمة الخاصة حول لبنان أوج نشاطها".
و"المضحك" الثاني في محاولات بثّ الذّعر حول عمل المحكمة ومستقبلها، أن يظنّ البعض أن المحكمة الخاصة بلبنان وبما هي مؤسسة قائمة بحدّ ذاتها، محاولة البعض تصوير مغادرة أحد موظفيها وكأنّه "انتهاء" عمل المحكمة أو محاولة "طيّ لصفحتها"، وهذه أمانيّ البعض وأوهام تعتريهم علّ وعسى، وللتذكير ليس أكثر، ثمة محاولات كثيرة حاولت بث سموم اليأس في نفوس اللبنانيين حول المحكمة وعملها، منذ المحقق الدولي الأول ديتليف ميليس مروراً بسيرج براميرتز المحقق الثاني، انتهاء بدانيال بلمار الذي أصبح مدّعي عام المحكمة، والذي يتصرّف بحرص شديد على ما توصّل إليه من حقائق، ويصرّ من حين لآخر على التأكيد للبنانيين عموماً ولذوي الشهداء وعائلاتهم أنه شديد التفاؤل..
ليست محاولة "التثبيط" الأولى، ولن تكون الأخيرة بالتأكيد، والمضحك الثالث وسط همروجة الضرب على وتر المحكمة لهزّ ثقة اللبنانيين بمسارها، وبصرف النظر عن كل الضبابيّة التي تلفّ لبنان والمنطقة، قد يكون "الاستثناء" الوحيد من الحالة الضبابية هذه، هو المحكمة الدوليّة ومسار عملها ومصير تحقيقاتها، فأصحاب أضغاث الأحلام يفكّرون بعقليّة سطحيّة فارغة، بل بعقليّة نعامة "تدفن رأسها في الرّمال" علّها تطمئنّ إلى أنّ ما تخشاه لن يقع… ولكن هذا التمنّي ليس أكثر من "عشم إبليس في دخول الجنّة"!!