لعل أسهل تعريف لكل الطروحات السياسية في لبنان، هو تعريف مصطلح (الغاء الطائفية السياسية) فهو يعني بكل بساطة (الغاء الطوائف في السياسة) وأن يحل محلها (المواطنية) في الإنتخابات وفي أي استحقاق ديمقراطي سواء أكان رئاسياً أو نيابياً أو حكومياً أو إدارياً أو عسكرياً.
* * *
لكن في مقابل سهولة (تعريف المصطلح) هناك (صعوبة تطبيقه)، فالغاء الطائفية السياسية ينقل البلد من (الديمقراطية وفق موازين الطوائف) إلى (الديمقراطية العددية)، فكيف يمكن تحقيق هذا المطلب في ظل أرجحية عددية لطائفة من الطوائف، وهذه الطائفة ستفوز، بالقوة العددية، بمعظم المناصب والمواقع في البلد لتصبح الطوائف الأخرى (جاليات لبنانية في لبنان)!
* * *
مهما حاول رئيس مجلس النواب نبيه بري (تجميل) اقتراحه فإن كل (المساحيق) السياسية لا تُزيل المخاوف المزمنة لدى المسيحيين والمخاوف المستجدة لدى السنّة. لم يَعُد سرّاً ان أَعداد المسيحيين في لبنان في تناقص مستمر بسبب موجات الهجرة التي بدأت منذ العام 1975، وكانت هذه الموجات تأتي أثناء كل محطة حرب أو بعدها مباشرة، وعلى رغم عدم وجود أرقام دقيقة فإن أكثر من مؤسسة دراسات واحصاء تلتقي على ان عدد المسيحيين المقيمين لا يتجاوز الثلاثين في المئة، ويُخشى أن يؤدي الطرح الجديد – القديم لإلغاء الطائفية السياسية، إلى موجة جديدة من الهجرة خصوصاً إذا شعر المسيحي بأنه لم يَعُد له أي مستقبل سياسي في البلد.
* * *
المخاوف المزمنة لدى المسيحيين توازيها مخاوف مستجدة لدى السنّة ولا سيما بعد أحداث 7 أيار في بيروت، وهذه مخاوف محقة لا تُزيلها التطمينات بل الدولة القوية التي لا شريك لها في سلطتها.
* * *
لكل هذه الأسباب مجتمعةً، يُفتَرًَض برئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري – من وجهة نظرنا – أن يسحب اقتراحه من التداول وأن يبدأ مع مجلس النواب بورشةٍ تشريعية ومراقبة أعمال الحكومة، ففي ذلك افادة للبلد وتثبيتٌ للإستقرار السياسي فيه.
* * *
ان التنوَّع السياسي في لبنان مصدره التنوع الديني، وإذا انتفى هذا الأخير يُلغى التنوُّع على كل مستوياته، وينتقل لبنان من النظام الديمقراطي إلى النظام الشمولي ولو تحت عباءة الديمقراطية.