كان يقال إن بيروت هي مختبر الأفكار والتجارب والثقافات والأيديولوجيات وساحة الصراع بين الهويات وكذلك الأنظمة من دون أن ننسى الطوائف والطائفية، والاقطاع والاقطاعية والعائلة والعائلية والقبيلة والقبلية والمنطقة والمناطقية… وقد سميت مختبراً، لا لأنها اكتفت بصورة أحادية لهذا الصراع الطبيعي، بل لأن هذا الصراع تولد عن وجود فضاء واسع تحركت فيه هذه التعدديات المتناقضة والمتجادلة.
ذلك الفضاء الواسع كان اسمه "حرية نسبية" وديموقراطية نسبية عززتها تطلعات المجتمع اللبناني، بكل فئاته أي الخروج من المواقع والثوابت (الموروثة) والتقاليد، الى امكنة جديدة وتحولات تتمخض عن انتقال من زمن الى زمن ومن حال الى حال.
كانت سمة الصراع الفكري (على الرغم من عناد المواقع الطائفية..)، هي التي تغلب وإن جزئياً وإن على تفاوت على تلك الأحوال. واذا عرفنا ان الأنظمة الدكتاتورية بوجوها الشتى، من ثورية وانقلابية وغير ذلك قد تمكنت، عن طريق البطش ومصادرة الحريات لمصلحة الأحادية من ارادة الناس، واضعفت ادوات المجتمع المدني، من حرية ديموقراطية وحرية تعبير وصوت واحتجاج، نعرف الى اي مدى بدت بيروت آنئذ منذ منتصف القرن الماضي وحتى الحروب في لبنان، تلك الحاجة اللازبة، الملحة، لأن تبقى آخر معاقل التنفس والتعبير والتنوع.
وكأن بيروت كانت المدينة العربية الوحيدة التي تتمتع بحرية الصحافة، والكتاب والتظاهر والصراخ. مدينة تسعى الى ان تكون فعلاً مدينة، لا مجرد ثُكَن وسجون ومشانق ومحاكم ميدانية، ومخابرات واغتيالات و"تخوين" وقتل على "الهوية السياسية". وعندما نتذكر هذا الكم من الأحزاب والحركات والتنظيمات ذات الأيديولوجيات والمقاربات المختلفة حتى التناقض كالكتلة الوطنية والكتائب والأحرار والحركات الناصرية والقومية العربية واللبنانية والبعث ومن ثم منظمة العمل الشيوعي، وحتى الكيم ايل سونغية والماوية والكاستروية… عندما نتذكر تلك الظواهر نعرف الى أي مدى ابرزت تعددية على مستوى الأفكار وصولاً الى الجمهور. وعلى هذا، لم يكن ذلك الجمهور اللبناني مجرد كُتل تاريخية مغلقة، أو مجموعة عصائب احادية، او عشائر تتنافى بقدر ما كان (والى حد ما طبعاً) من علامات قبول الاختلاف وهي من علامات قبول ان المجتمع هو مجموعة افراد، متنوعة ضمن فردية ما (وإن على نرجسية حزبية هنا من ضمن تركيب الأحزاب أو على نرجسية طائفية او سوى ذلك)، وضمن اختلاف ما، وضمن اختيارات معينة قائمة، وفي مجمل الأحوال على التفكير كسبيل للاختيار، وعلى الاقناع كوسيلة للاستقطاب. وكان من الطبيعي ان تنعكس هذه الاختلافية على مجمل الواقع لا سيما الثقافي، لتبرز ظاهرة الالتزام على مستوى المثقفين من كتاب ومفكرين وشعراء وفنانين وايديولوجيين فيكون لكل منهم ان يختار "فكرته" أو "حزبه" او قضيته.. ويكون لكل واحد أن يبني رؤيته للعالم على اساس انها رؤية من ضمن رؤى، أو من ضمن مشاريع، او من ضمن استراتيجيات يمكن أن تصب أحياناً كثيرة في مجرى الديموقراطية التعددية، ولو ظهر ان بعض هذه الأحزاب تنافي الديموقراطية الطائفية، أو البوجوازية او المفرغة من المضامين الاقتصادية والصراعات الطبيعية والاجتماعية.
ونظن ان هذه الحريات النسبية (لا الاستنسابية دائماً) تنعكس أيضاً على مسالك الحياة والمجتمع والمرأة والعمل والزواج والاختلاط الديموغرافي، فنشأ ما يمكن ان نسميه "لحظات المجتمع المفتوح" حيث تجلت وبكل قوة محاولات كسر التابوهات بكل أشكالها، والانخراط في لعبة تجاوز "الممنوعات" السائدة في المحيط القريب والبعيد: نوع من الحرية الاجتماعية تخطى العاصمة أو المدن والأرياف والجرود والدساكر: انها الحداثة بمبتكراتها، وافكارها وصيغها تتمدد بهدوء هنا وبتسارع هناك، في جهات البلاد الأربع. واللافت ان مثل هذه الحداثة لم تؤد الى صدمة مع المجتمع. ولم تؤدِ الى تنافر حاد مع الثوابت القائمة ولا مع " الاعراف" الراسخة، وانما على العكس، كأنما انخراط المجتمع في "الحداثة" الحياتية واليومية وحتى الاستهلاكية في النصف الأول من القرن العشرين، تداخل بهدوء وبشكل طبيعي، باعتبار ان حركات التنوير العربية، وأوجه النهضة العربية، مهدت لذلك على امتداد اكثر من مئة وخمسين عاماً… ولقيت (وهذا هو المهم) ارضاً خصبة لها في لبنان وفي بعض المدن العربية التي سبقنا بعضها كالقاهرة في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن الماضي. والغريب ان صدمة "الحداثة" (وهذا التعبير لتوفلر) هذه والتي فتحت لها المجتمعات العربية (أي الجماهير) صدورها برحابة، كسرتها الأنظمة الانقلابية التي تحمل "ايديولوجيات"، "حداثية" كالاشتراكية والقومية واليسارية والثورية: أنظمة حداثية (غربية) تضرب الظواهر الحداثية المجتمعية والسياسية: غريب! لتقع في نوع من الانفصام (الشيزوفرانيا) بين شعاراتها الكبرى الجذرية، وبين ممارساتها المتناقضة لها: وثمة من يقول إن هذه الأنظمة "الليليلة" (نسبة الى قيامها بانقلابات مسلحة تحت جنح الظلام) قد رَيّفتْ المدنَ العربية البورجوازية في بعض وجوهها، قبل تلك الثورات وتعرضت لجوهر الحداثة القائمة على الانفتاح، والاختلاف. هذا الرأي قد يكون مبالغاَ فيه باعتبار ان هذه الانظمة "التغييرية" لم تقطع علاقاتها ببعض الظواهر الحداثية واساليب العيش والفنون والأدب والفكر وانما جعلت هذه العلاقات محكومة بذهنية الخير والشر، الصالح والطالح، ما هدّد مجمل انجازات النهضة العربية التنويرية وقيمها الاساسية. ونتذكر هنا ثورات اخرى مماثلة الى حد كبير كالثورة البولشفية تحت نظام الشيوعية؛ فهناك أيضاً أصيب النظام الستاليني (وما بعده) بشيزوفرانيا قاسية، عندما اراد ان يروج لأفكاره الثورية والماركسية اللينينينة الجديدة بقنوات واساليب وطرق رجعية، لظنه ان هذه الطرق المبسطة والمباشرة قادرة على ايصال ما يريد ايصاله بسهولة الى الناس على عكس طرق التعبير الطليعية التي تقول الأفكار الجديدة بلغة فنية أو شعرية أو روائية أو مسرحية جديدة قد تعرقل أو تؤخر وصولها. ولهذا اصدر لينين قراراً بمنع كل ما لا يخدم الثورة بمفهومه: منع ظاهرة مسارح الصحف الحية التي اخترقت دائرة الخشبات المغلقة الى الشارع والى الأرياف، والى مشاركة الجمهور تحت مسميات "مسرح البروليتاريا"، أو الديموقراطية، وبأساليب تجريبية جديدة تماماً كما منع هتلر هذه الظواهر "الانحطاطية" و"العدمية" "المنافية" للنازية ونتذكر هنا خروج ستانسلافسكي من روسيا الى الولايات المتحدة الأميركية ليكمل تجاربه هناك، كما خرج المخرج الالماني الكبير بيسكاتور (معلم برشت) الى أميركا ايضاً حيث لقيت مثل هذه الاتجاهات المصير نفسه لما حدث في روسيا والمانيا، عن طريق المكارثية التي لا تختلف كثيراً لا عن النازية ولا عن الستالينية.
وكان لا بد إذاً لأحفاد ستالين وهتلر ومكارثي عندنا، أن يحذوا حذو آبائهم واجدادهم في مفاهيم "التوتاليتارية" والقمع ومحاربة كل طليعية فنية أو اجتماعية أو سياسية فأغرقوا العواصم العربية بارهاب متخلف، وبذهنيات رجعية، (مرادفة بإذنه تعالى لشعارات تقدمية! واشتراكية ايضاً، يا لسعادة الجماهير العربية) وفرضوا "أذواقهم" التافهة وعقلياتهم المتخلفة ونفوسهم المعسكرة على وسائل التعبير وصولاً الى الابداعات والافكار. فاذا بهذا الارهاب يجهض، وبشكل تراجيدي مسارات النهضة العربية وحداثاتها وتعددياتها وآفاقها لتأسَن في الثكن ومعسكرات الاعتقال وفي الشوارع والأمكنة التي باتت تشبه أنظمتها: فلا أفكار حية مسموح بها، ولا مقاربات ارادية، ولا انفتاح حر، فبدا وكأن هذه الانظمة التي باتت تختار "شعبها" بدلاً من ان يختارها تختار ايضاًَ مثقفيها. على هذا الاساس كان لبيروت في تلك المراحل ما يجذب المضطهدين السياسيين والمقموعين من اهل الفن والشعر والأدب والسياسة والفكر: صارت ملاذهم او بحسب تعبير محمود درويش "خيمتهم الأخيرة". وفي مثل هذه الظروف عرفت بيروت نهضتها الثانية المكملة أو المعمقة بتباشير اولى، أي تلك التي افتتحها كبار كجبران (رائد الحداثة الأول) ونعيمة والريحاني ومارون عبود وتوفيق يوسف عواد وقبلهم البساتنة واليازجيين… الخ. هذه النهضة الثانية كانت أعم وأكثر توازناً بين الفنون والآداب والفكر. بمعنى آخر صارت التعددية السياسية (وان تحت غطاء نظام طائفي) في موازاة تعددية فكرية وايديولوجية واجتماعية وكذلك ابداعية على صعد الشعر والمسرح والسينما، بل حدث هناك تداخل غريب بين النخب وبين الناس، بين الاساليب التجريبية والشعبية الى حد كبير. ولهذا قلنا ونقول إن المجتمع كان آنئذ في الستينات والسبعينات في بعض تعابيره اكثر تمرداً على نفسه حتى من المثقفين والشعراء انفسهم، بل كأنه هو الذي كان نموذج التمرد والخروج للمثقفين والنخب وليس العكس. وهذا ما جعله امام المثقفين لا وراءهم، هو يعلمهم التجاوز والتخطي و"الجنون" و"الفوضى" (بالمعاني الشعرية) وليس العكس. بل واكثر: النخب هي التي خانت مواقعها الطليعية وليس الجمهور: فهي التي دشنت الدعوات الى كسر السائد (يا عين)، وتدمير البنى القائمة (يا عين) والى الذهنية المدنية (لا المذهبية او الأيديولوجية ولا العصبية)، ثم عادت الى مواقعها التقليدية والرجعية (خصوصاً الطائفية، يا للغرابة!) بل واكثر: الى معاداتها كل "تجريبية" جديدة بعدها! فيا لهذه الاوديبية المزدوجة بالميدية (نسبة الى ميديا التي قتلت ابناءَها بحسب الأسطورة الأغريقية) فهم لم يكتفوا فقط باعلان قتل "آبائهم" باعتبار انهم انجبوا انفسَهم عباقرة، بل وباعلان اعدام "ابنائهم" باعتبار ان الزمن توقف عند "انجازاتهم"… التي لا قبل لها (باذن القديسين والأولياء) ولا بعد! بل واكثر: وعندما تلبدت سماء لبنان بغيوم الحروب الايديولوجية والطائفية تطلع الجمهور الى من يُعينه منهم على فهم ما يجري، او على تجاوزه، فاكتشف ان هذه النخب الطليعية "المجنونة" المتمردة تركته وحيداً وانضمت الى تلك الظواهر المذهبية والعنفية والكانتونية إما توخياً للسلامة والأمان (وكم كانوا شجعاناً عندما كان الخطر غائباً عنهم في ازمنة بيروت السلمية) أو هربت تاركة أفكارها الحداثية الجذرية ومنقلباتها وثوراتها وراءها بلا غبار ولا أثر. وكم كان منطق هؤلاء النخب مشابهاً لمنطق الأنظمة: نخسر الأرض ونربح الحكم. تذهب الأرض مقابل بقائنا. تحتل الأوطان ونحمي انفسنا. اذ تخلى هؤلاء عن كل دعاواهم "الجريئة" والمقتحمة و"الملعونة" والفوضوية.. وابتلعوا السنتهم الذهبية وتركوا المجتمع الذي حماهم ودفعهم الى طليعيتهم وحماهم أعزل فريسةَ العنف والقتل والميليشيات والتدمير والارتداد الى معاقل التقوقع المناطقي او المذهبي أو العائلي!
فبيروت، في حروب اللصوص والعملاء والأنظمة العربية "المتضامنة" مع اسرائيل وغيرها، فقدت دورها وخربت منجزاتها وخلت من مثقفيها (الأشاوس) أو (الرعاديد!)، تواجه وحدها مؤامرات تحويلها دسكرة منكوبة، أو عاصمة مغلقة. صارت تشبه الى حد كبير بعض "مبدعيها"، والكثير من مستبيحيها من اهل البلاد أو من اهل الأنظمة العربية "المظفرة" عندنا، والتي اختارتنا (مع اسرائيل بالطبع وبالتضامن والتكافل والقسمة والشراكة) الضحية المثلى، لم تعد بيروت، في العقود الأربعة الماضية، عقود الظلم والطغيان والاحتلال والنهب والتخلف، لا مختبر الأفكار ولا موقع الطلائع ولا ساحة الحريات؛ اغلقوها وحدها على نفسها بالنار والحديد، وسط جمهوريات وعواصم كانتونية وجغرافيات محكومة كمحميات خارجية مرتبطة بصراعات الخارج. صارت "عاصمة عربية" من صنع الأنظمة العربية. وصار كانتونية تشبه الكيان الصهيوني بانغلاقها واحاديتها. صارت عاصمة بمواصفات الأنظمة القائمة، وليس بمواصفاتها التاريخية التعددية والمتقدمة والمنفتحة! بل كأنها صارت "عاصمة" المعسكرات العربية لا عاصمة الثقافة العربية وصارت "عروبتها" التي كانت تزخر بالقيم الديموقراطية والاجتراحية من "عروبة" الأنظمة الدكتاتورية التي اضافت الى هذه الصفة سقوطها في الفئوية والسلالية والمناطقية بعيداً عن الناس.
مع هذا، وعلى الرغم من كل ما سقنا، بقيت فيها هوامش وان متفائلة. هوامش ثقافية وابداعية وسياسية تقاوم قدر مستطاعها كل هذه الظواهر الاستبدادية والاحتلالية والعصبيات. هذه الهوامش صمدت بفعل بعض النخب (او قلة منهم) التي جازفت احياناً بارواحها وتحركت وسط (الخطر) الداهم لتحافظ على ما يمكن ان يكون بداية جديدة لبيروت أو منطلقاً لتجدد ما، ولاستمرارية ما، وسط غابات من القمع والقتل والجنون. ولأن كل الذين اقتحموا هذه العاصمة خرجوا منها او اخرجوا منها وكل الذين سجلوا اسماءهم على حيطانها من اهل الاحتلال والاستباحة افرنقعوا… ولأن بيروت لا يمكن ان تكون مجرد "عاصمة" (والأسطورة اقوى من الواقع) يسبيها من يشاء، فقد عادت (وبرغم كل شيء) الى حيث يجب ان تعود: الى حرياتها وانفتاحاتها وطليعياتها الاجتماعية وكثيراً من ديموقراطيتها "المسلوبة" … عادت تتجدد وان بحذر.. وان بخجل، وان بتفاوت.. وبدا ان الجمهور الذي حمى طليعيتها في السابق وطليعييها، ها هو منذ عدة سنوات يخترق الجدران والعوائق… ويقود هو (لا النخب الثقافية المعهودة) مسيرة عودة لبنان الى لبنان… وبيروت الى بيروت: بيروت المختبر الأول للافكار والتجارب والحياة والفنون.. والحرية! وإن ما زلنا في اول الطريق! وان ما زالت مصلتة فوق رؤوسنا حراب الترهيب والعدوان.. والاستبداد.
فهل تكون بيروت في مرحلة انتقالية جديدة؟ بيروت كانت دائماً، ككل مدينة مليئة بالاسئلة والهواجس و"الخطر" في مرحلة انتقالية. دائماً تتجاوز نفسها. دائماً على اهبة "التحول" ، دائماً على اهبة "المجهول".. دائماً بين الهاوية والسماء. بين اليقين والتمرد. بين الجنون وبين الحذر. بين الدمار والعمران. بين الطليعية ومن يهددها… انها المدينة التي لم تعرف ثباتاً منذ اكثر من قرن.. ولن تعرف مثل هذا الثبات.. لأن في ذلك سحرها المُحيي وسحرها القاتل.
بيروت عندما نظنها وراءنا تكون تهيىء نفسها لتكون امامنا.. انها بيروت! الأقدار التراجيدية الكبرى تسابق المواجهات الكبرى التي لا تشبه سوى نفسها اي سوى الشعر.