منذ ما يقارب القرن وفرنسا تحتل مرتبة "الأم الحنون" بالنسبة الى معظم اللبنانيّين، إن لم يكن كلهم جميعهم.
ومن دون اعتراضات أو تساؤلات تُذكر، من هذه الفئة أو تلك.
وعكس ما تتعرَّض له علاقات دول كبرى من نكسات واهتزازات، عندما تكون هناك اعتداءات إسرائيلية أو حتى خلافات سياسيَّة داخلية.
فمع باريس لا علامات استفهام. ولا أخطاء. ولا دعسات ناقصة. بل كثيرا ما تكون العاصمة الفرنسيَّة سبَّاقة في التصدٍّي، ورفع الصوت، واعلان الاحتجاج.
ثمة ما يشبه الإجماع على ان لباريس دوراً لبنانيّاً يحظى دائماً بالترحيب والارتياح. سواء في السراء أم في الضراء. من هنا، ربما، يطيب لبعضهم أن يتغنَّى بباريس "مربط خيلنا".
ومع بداية عهد الجنرال شارل ديغول ومرحلته التي نالت رتبة التميَّز فرنسيا ودوليّاً وعربيّاً، اتسعت دائرة الدور الفرنسي لتشمل مختلف الطوائف والفئات اللبنانيَّة، وليتوسع مجال العلاقات الفرنسيَّة في اتجاه العالم العربي، وقضاياه التي تأتي القضيَّة الفلسطينيَّة في مقدَّمها.
أو هكذا كان الأمر في ذلك الزمان، والى فترة ليست بالبعيدة جداً.
حتى اليوم، وحتى خلال الاهتزازات الاقليميَّة الخطيرة التي تؤرّق المنطقة والعالم، لا تزال علاقات باريس العربيَّة تحظى بمعاملة خاصة ومميّزة…
يحضرنا هذا الكلام، وتأخذنا هذه المراجعة السريعة، الى الموعد القريب للزيارة الرسميَّة الاولى التي سيقوم بها الرئيس سعد الحريري بصفته رئيساً لمجلس الوزراء اللبناني لفرنسا، ووفق برنامج وجدول أعمال مزدحمين بالملفات والمشاريع والاتفاقات التي تحتاج الى درس وتمحيص وتوقيع.
بات من تحصيل الحاصل والبديهي أن يُحاط رئيس لبنان أو رئيس حكومته بحفاوة كبيرة وخاصة ولافتة، حرصاً من قصر الاليزيه ومن الرئيس الفرنسي بالذات على التأكيد لمن يعنيه الأمر أنَّ للبنان دائماً وفي كل حالات الزمان عليه منزلة خاصة، واهتماماً خاصاً، ومونة خاصة.
وفي الشدائد والمحن التي كان لبنان مسرحاً لها على امتداد السنين الماضية، والى الأمس القريب، تعمَّدت العاصمة الفرنسيَّة أن يتولى قصر الأليزيه مباشرة الاتصالات والمراجعات والمعالجات اللازمة.
وهذا المناخ الفرنسي الذي يتفيأه اللبنانيون ويفزعون اليه في الاوقات العصيبة، سيجده الرئيس الحريري في انتظاره.
وسيجد أن ما بناه وشيَّده والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري أقوى وأمتن وأعمق من كل المتغيّرات، فرنسيَّاً ولبنانيّاً وعربيّاً.
ومنه ستنطلق أو ستتابع المحادثات في شأن المساعدات التي لا يزال لبنان في أشد الحاجة اليها.
وستقول باريس لسعد الحريري ما كانت تقوله لرفيق الحريري: على الرحب والسعة.