سنة على أوباما في البيت الأبيض وجمود السلام يثقل عليه
التحرك الأميركي وهاجس إيران وقضية المنطقة
لم تفصل سوى أيام قليلة بين زيارة وفد الكونغرس الاميركي برئاسة المرشح السابق للرئاسة الاميركية جون ماكين وزيارة مستشار الامن القومي جيمس جونز الذي حرص على زيارة العاصمة اللبنانية من ضمن جولة شملت بعض دول المنطقة بحيث تستبق بأيام قليلة فقط الجولة التي يبدأها المبعوث الاميركي الى المنطقة جورج ميتشل وزيارته لبنان أيضاً من ضمن جولته. والمناسبة كما تقول مصادر سياسية تتصل على نحو وثيق بالرغبة لدى الادارة الاميركية في اعادة تأكيد التزامها سيادة لبنان واستقلاله والاستمرار في دعمه في موازاة سياسة الانخراط او الانفتاح على سوريا كما في السياسة نفسها ازاء ايران، بحيث ان اياً من مبادرتي الانفتاح لا تعني بالنسبة الى الولايات المتحدة ان يكون ذلك على حساب لبنان . وهذا المغزى مضمر في الزيارات في ذاتها حتى لو لم يدل المسؤولون الزائرون باي موقف معلن يصب في هذا الاطار او سواه، علماً أن هناك مواضيع للمتابعة على صعيد المساعدات العسكرية في شكل خاص تتم متابعتها عبر الاجهزة المناسبة . وهذه الرسالة الاميركية باستمرار الاهتمام بلبنان هي برسم الداخل والخارج، خصوصاً بعد مدة من انقطاع زيارات المسؤولين الاميركيين للبنان او تضاؤلها الى حد بعيد في فترة الانتخابات النيابية ولاحقا في فترة تأليف الحكومة، التي استمرت خمسة اشهر من اجل عدم اتاحة المجال للتأويلات حول تدخل اميركي في اي منهما، كما المساهمة في تأمين مكاسب لبعض الافرقاء الداخليين والخارجيين تحت هذا العنوان او هذه الذريعة، رغم أن الزيارات ترمي الى القول ان الموقف الاميركي لم يتغير ازاء لبنان وهو لا يزال نفسه، ولو ان هناك اولويات اخرى اكثر اهمية وان الدولة اللبنانية لا تزال تتمتع بالدعم الاميركي وكذلك أفرقاء اساسيون فيها.
لكن هذا الكلام عام ولا يشي بحقيقة المساعي او الاتصالات الاميركية التي لا تشمل لبنان فحسب، بل يدخل في إطارها، علماً ان بعض الافرقاء يقلل اهمية هذه الزيارات باعتبارها في رأيهم لا تزال تندرج في اطار رفع المعنويات لافرقاء في الداخل. ولكن هذا الاعتبار يبدو تبسيطياً الى حد بعيد ويناسب الحسابات اللبنانية الصغيرة من خلال محاولة ادخال حسابات دول كبرى من ضمنها، في حين أن هذه الزيارات وتحديداً زيارة مستشار الامن القومي الاميركي لا تندرج من ضمن هذا التفكير او هذه الاهداف. وبحسب مصادر عليمة اطلعت على مضمون المحادثات التي أجراها جونز في بيروت، فإن الاميركيين يتحركون بخلفية يحكمها التطلع الى استكشاف بعض التطورات في المنطقة. ولذلك فهم مستمعون اكثر مما هم متحدثون، بحيث يتاح لهم في ختام الجولة الاقليمية تقويم المعطيات والتوصّل الى نتائج. وهم يعرفون جيدا أين موقع لبنان راهنا وما هي اتصالاته بعدد من الدول كسوريا وتركيا والدول العربية الاخرى كسوريا ومصر وسواهما، فضلاً عن معرفتهم على نحو دقيق ايضاً بموازين القوى وكيف أصبحت في ظل التطورات الأخيرة . ومعلوم ان للبنان بعداً واضحاً لا يمكن تجاهله في قضيتين او محورين أساسيين: أحدهما الموضوع الفلسطيني والآخر الايراني، اضافة الى ان لبنان بات عضواً غير دائم في مجلس الامن مما يتطلب تواصلا معه في المرحلة المقبلة مختلفا عن السابق.
اما الهاجس او الخلفية التي تحرك الاميركيين، بحسب هذه المصادر، فهي السعي الى صورة متكاملة عن الوضع في المنطقة، والسياسة الخارجية الاميركية يحددها كل من مجلس الامن القومي من جهة (ومن هنا تأتي زيارة جونز) كما تحددها من جهة أخرى وزارة الخارجية الاميركية وتأتي في هذا الاطار الزيارة المرتقبة لميتشل بعد غد الاثنين وفق ما هو مرتقب. وفي موازاة ذلك، والى الادراك الاميركي أن سنة أولى مرت على وجود الرئيس الاميركي باراك اوباما في البيت الأبيض من دون حصول أي تطوّر إيجابي على ملف المنطقة، هناك عامل آخر لا يقل أهميّة هو التزام الموضوع الفلسطيني، بحيث يتعين ان يكون هناك شيء جدي في ذاته مع هاجس يرافق هذا الادراك، وهو أن التحرك على خط ايران يوجب حكما التحرك على خط موضوع السلام وضرورة معاودة المفاوضات على المسار الفلسطيني الاسرائيلي. والواضح ان الاميركيين يعون جيداً بحسب ما فهم مستقبلو جونز عن الخلفية التي تحكم التحرك الاميركي راهناً، أن أي اتجاه يجب اعتماده مع إيران ينبغي مواكبته بشيء جدي على خط المسار الفلسطيني، من دون أن يعني ذلك أن الأمور يمكن ان تتحرك قريبا او ان يبرز أمر ما سريعاً.
وتالياً، فإن التحرك الاميركي في اتجاه لبنان يندرج في اطار المنطلق الاقليمي المهم ووفق مقاربة تبدو منطقية في تحديد أهداف للسياسة الاميركية. وهذه المقاربة تترجم بتحرك على مستوى هاجسين: الاول على مستوى العرب، أي فلسطين واسرائيل ومعاودة المفاوضات، والآخر هو ايران وتفاعل هاتين المسألتين في ضوء كل الاحتمالات وتداعيات أي عمل جدي، وتداعيات غياب اي عمل ايضاً. وفي الخلفية كذلك عنصر لا يمكن اهماله او تجاهله هو موضوع "القاعدة" والارهاب المرتبط بها الذي يشكل هاجسا آخر لا يقل اهمية عن الهاجس الذي تشكله ايران والرابط بينها وبين قضية المنطقة.