لأن سلاح "حزب الله" هو سلاح إقليمي كما كان الوجود العسكري السوري
لا حل إلاّ بالتوافق أو بتغيّر الظروف والمعطيات
بات واضحاً للجميع ومن تجارب الماضي أن ما من فئة لبنانية حزبية كانت أم مذهبية تستطيع ان تفرض آراءها ومواقفها على فئة أخرى خصوصاً في المواضيع الأساسية والمهمّة، وأنه لا بدّ من التوصّل إلى توافق في شأنها. فالاستقلال عام 1943 ما كان ليحصل لو لم يلتقِ على المطالبة به المسيحيون والمسلمون، وعندما انقسموا حول الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان كانت الحروب الداخلية والتدخلات الخارجية. وعندما انقسموا حول الوجود العسكري السوري في لبنان استمر هذا الوجود ثلاثين عاماً ولم يستطع لقاء "قرنة شهوان" رغم ما كان يضم من قيادات مسيحية بارزة تمثّل غالبيّة الرأي العام المسيحي تمثيلاً واسعاً، ورغم نداء مجلس المطارنة الموارنة الشهير الذي دعا إلى انسحاب القوات السورية من لبنان وكان أول نداء يؤسس لـ"ثورة الأرز" و"لانتفاضة الاستقلال"، فان هذا الانسحاب لم يتم لأن فئة لبنانية لم تشاركه في ذلك إما لأسباب سياسية ومصلحية وإما بدافع الخوف. ولم تنجح المساعي التي بذلت في حينه من أجل ضم شخصيات إسلامية إلى ذاك اللقاء، ومن وافق منها اشترط إخراج موضوع الوجود العسكري السوري من دائرة البحث والتداول. وقد نجحت سوريا آنذاك في إبقاء الصوت المسيحي وحده يرتفع مطالباً بانسحاب قواتها من لبنان وحالت دون انضمام الصوت المسلم اليه ليبقى هذا الصوت صرخة في بريّة، حتّى أن النائب وليد جنبلاط عندما تجرأ ودعا في مجلس النواب إلى إعادة تموضع القوات السورية تطبيقاً لاتفاق الطائف، تلقّى على الفور تهديداً من زميل له في الجلسة نفسها وهو من حلفاء سوريا، لأنه يمسّ بموقفه هذا ما لا يمسّ… وعندما انضم الصوت المسلم إلى الصوت المسيحي كانت "ثورة الأرز" و"انتفاضة الاستقلال" في 14 آذار" وكان انسحاب القوات السورية من كل لبنان.
وها أن الموقف من سلاح "حزب الله" يبدو شبيهاً بالموقف من السلاح الفلسطيني ومن الوجود العسكري السوري، ولا سبيل إلى إيجاد حلّ لهذا السلاح إلاّ بتوافق اللبنانيين أو غالبيتهم على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم، وليس في إمكان فئة واحدة سياسية كانت أم حزبية أم طائفية مواجهة وجود هذا السلاح الذي لم يعد في مواجهته العلنية سوى مسيحيي 14 آذار وقلّة من المسلمين في هذه القوى، لأن الشريك المسلم أي الرئيس سعد الحريري أصبح على رأس السلطة التنفيذية وعلى رأس حكومة وحدة وطنية مهمتها العمل على جمع اللبنانيين وتوحيدهم خصوصاً في مرحلة دقيقة وحسّاسة تمرّ في لبنان والمنطقة، ووسط تهديدات إسرائيلية، وليس على تفريقهم وتشتيتهم بإثارة مواضيع أساسية ومهمّة مثيرة للخلاف وتعرض السلم الأهلي للخطر.
لذلك ينبغي أن تقتصر المطالبة في الوقت الحاضر على تنفيذ اتفاق الطائف كاملاً وعلى تنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته كي تقوم الدولة القويّة القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل الاراضي اللبنانية فلا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها. أما موضوع سلاح "حزب الله" وهو في الواقع سلاح إقليمي كما كان الوجود العسكري السوري وجوداً عربياً وإقليمياً ودولياً فتحتاج معالجته ليس إلى حوار داخلي فحسب بل إلى انتظار توافر المعطيات الخارجية التي تساعد على حلّ مشكلة هذا السلاح، خصوصاً انه ليس في إمكان فئة لبنانية أن تتوصل إلى هذا الحلّ، بل تحتاج المعالجة إلى غالبية الفئات فيه إن لم يكن جميعها. وإذا كانت الظروف الموضوعية أتاحت لفئة أن تفرض وجودها المسلّح على فئات أخرى، فان محاولة إزالة هذا الوجود بالقوّة تعني حروباً جديدة داخلية في لبنان كتلك التي حصلت في الماضي بسبب الوجود الفلسطيني المسلّح. وإذا كانت الفئة المسيحية التقت بغالبيتها الساحقة في قرنة شهوان لتطالب بانسحاب القوات السورية، فإن هذه الفئة منقسمة حالياً على نفسها حول سلاح "حزب الله" والفئة المسلمة في قوى 14 آذار مضطرة إلى مراعاة الوضع السياسي نظراً إلى وجودها في الحكومة وحرصاً منها على الوحدة الداخلية. وإذا كانت الشخصيات المسيحية التي جمعها لقاء "قرنة شهوان" لم تستطع وحدها من دون الطرف المسلم تحقيق انسحاب القوات السورية من لبنان، فكيف يستطيع مسيحيو 14 آذار من دون مسيحيي 8 آذار ومن دون المسلمين معالجة مشكلة هذا السلاح ولكل منهم رأي مختلف في الموضوع؟
الواقع أن سلاح "حزب الله" هو سلاح اقليمي لا يمكن التوصل الى حل له إلا بتوافق لبناني أو بتوافق إقليمي، وهو كالوجود العسكري السوري الذي كان في لبنان، فقد كان وجوداً إقليمياً ودولياً ولم يتم التوصل إلى حلّ له إلا بقرار دولي هو القرار 1559، وان استمرار الانقسام الداخلي حول الموضوع من شأنه ان يهدد السلم الأهلي ولا يحل المشكلة بل يزيدها تعقيداً.
لقد أعلن الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في رسالة وجهها إلى فرنسا عام 2005 انه "منذ عام 2000 تاريخ تحرير القسم الأكبر من الاراضي اللبنانية، ولبنان يتعرض لانتهاكات جوية خطيرة يعجز موضوعياً عن ايقافها، وقد عبّرت الأمم المتحدة مراراً، عن قلقها منها، ويواصل العديد من المسؤولين الاسرائيليين اطلاق التهديدات المتتالية التي تطال أمن لبنان وملكيته الحيوية في مياهه وبناه التحتية التي أنفق ابناؤه الكثير في سبيل إعادة بنائها، فيما تلتزم المقاومة موقفاً دفاعيّاً بحتاً عبر الحدود الدوليّة، وتعمل ضمن استراتيجية الدولة اللبنانية وبالتنسيق مع الجيش اللبناني من أجل ردع أي عدوان اسرائيلي محتمل يلحق أفدح الأضرار ببلدنا وشعبنا ويفتح منطقة الشرق الأوسط برمتها على احتمالات خطيرة. وسلاح المقاومة يشكل قوة حماية استراتيجية للبنان ليس بإمكانه التخلي عنها تحت أي ضغط أو تهديد لأن ذلك يجعل لبنان واللبنانيين تحت رحمة النار الإسرائيلية التي أذاقتهم المرّ طوال عقود ويفقدهم أي معنى بالحرية والاستقلال وحق التصرف بمستقبل بلدهم وفرص تطوره. ولهذا تجوب الديبلوماسية الاسرائيلية العالم بحثاً عن سبيل لوضع "حزب الله" على لائحة الإرهاب وضرب مشروعية المقاومة قانونياً، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية التي كانت أول المتجاوبين ومعها بعض أتباعها الاقربين وبدعم من اللوبي الصهيوني المنتشر في شتى دول العالم مستخدماً أدواته المعروفة لا سيما المالية والاعلامية".
هذا هو موقف "حزب الله" الواضح والصريح من سلاحه، سلاح المقاومة، وهو موقف ثابت حتى الآن ولا سبيل الى تغييره إلا إذا تغيّرت الظروف والمعطيات.