موضوع إلغاء الطائفية السياسية الذي فتح ملفه الرئيس نبيه بري في وجه حكومة الوفاق الوطني التي تشكلت بعد أزمة سياسية طاحنة ليس بالجديد، فهذا الموضوع مطروح منذ قرابة قرن وقد نص أول دستور للبنان وضع في العام 1926 وفي المادة 95 منه على إلغائها، وبقيت هذه المادة في كل التعديلات التسعة التي أدخلت على الدستور الأول، ولم تقدم كل العهود والحكومات المتعاقبة على أية خطوات عملية لإلغائها. حتى ان دستور الطائف لم يخرج على هذه القاعدة ، وان كان نص في أحد بنوده على تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية بعد انتخاب أول مجلس نيابي على أساس طائفي.
وحال هذه المادة هو كحال المادة 95 من الدستور الأول التي نصت على العمل بالطائفية بصورة مؤقتة ولم تزل هذه المادة رغم مرور قرابة القرن عليها محترمة حتى في دستور الطائف نفسه، ما يعني ان مثل هذه الامكانية متعذرة أو مستحيلة لأنها تمس في جوهر تركيبة الدولة، وقد يطيح إلغاؤها بكل مكونات الوطن، ولولا هذا الاعتبار لكان الذين تعاقبوا على الحكم اقدموا على هذه الخطوة وانتهوا من هذه التي يسميها البعض آفة تحول دون تقدم لبنان ويعتبرها البعض الآخر نعمة تصون لبنان من التشرذم والانقسام وتحافظ على وجوده الفريد كدرة في تاج هذا المشرق العربي الذي يطغي عليه لون طائفي واحد.
وكم مرة سمعنا الذين يطالبون اليوم بإلغاء الطائفية السياسية يتغنون بهذه الصيغة الفريدة في هذا المشرق، وفي العالم، بما يعني الحرص عليها وعدم المس في جوهرها. وهؤلاء أنفسهم نراهم اليوم يقولون الشيء وعكسه، فمن جهة يطالبون ويصرون على إلغاء الطائفية السياسية بوصفها آفة ومصدر اضطراب وقلق لكينونة الوطن ووحدة شعبه، ومن جهة ثانية هم أنفسهم الذين عطلوا مجلس النواب مدة طويلة من الزمن كي لا يجتمع وينتخب رئيساً للجمهورية بحجة ان البلد توافقي ولا يقوم على التوافق، ولا يمكن للأكثرية حتى ولو التزمت الدستور أن تخرج على هذا التوافق وتفرض إرادتها بحكم الدستور.
وبعد الانتخاب التوافقي لرئيس الجمهورية، وهو شكل من الاشكال المخالفة للدستور ولأي ديمقراطية، كانت أن تكرر الأمر نفسه مع الحكومة الحالية التي لم تستطع الأكثرية أن تقدم على خطوة التفرد بتشكيلها، وظل الأمر عالقاً إلى أن رضخت هذه الأكثرية إلى المنطق التوافقي الذي نادت به المعارضة خلافاً للدستور ولكل الاعراف الديمقراطية.
فما بال الرئيس بري يناقض نفسه ويأتي بالشيء وعكسه في الآن، ويصر بالتالي على طرح إلغاء الطائفية السياسية، وهو يعرف ان هذا الطرح ليس توافقياً لأنه لا يحظى بموافقة أكثرية اللبنانيين وليس أقليتهم كما هو الحال مع تجربتي انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة.
فهل يقصد الرئيس بري من هذا الطرح إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بعدما توافق اللبنانيون على تجاوزها، بالتالي يريد إعادة مشهد الانقسام العمودي الذي عاشه اللبنانيون في السنوات الخمس الماضية أم انه ونفترض هنا حسن النية، يحاول جس نبض المجتمع اللبناني حتى اذا كان رافضاً لطرحه تراجع عنه وكأنه لم يكن. مع أملنا في أن يكون الأمر كذلك فإن ما سمعناه بعد مؤتمره الصحفي الشهير لا يؤشر الى ذلك، بقدر ما يوحي بأنه ماض في طرحه وصولاً إلى إعادة تسعير الأزمة وحروب الزواريب الطائفية والمذهبية وكأننا لم نستفد من تجارب الأمس.