#adsense

المذهبيون ضد الطائفية السياسية ؟

حجم الخط


كان من عادة الوصاية السورية طوال خمس عشرة سنة، ان تبادر الى الطلب من حلفائها او أتباعها في لبنان فتح موضوع تشكيل "اللجنة الوطنية للبحث في الغاء الطائفية السياسية" في كل مرة كانت تبغي محاصرة مطالب البطريركية المارونية والقوى السياسية المسيحية برفع الوصاية، او بطلب تطبيق اتفاق الطائف لجهة اعادة تموضع القوات السورية الى ما بعد خط عين دارة – المديرج، والحد من التدخل في تفاصيل الحياة اللبنانية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد كان الهدف من رمي ورقة الغاء الطائفية السياسية في سوق التداول ولو بالتراشق السياسي والاعلامي، اسكات كل صوت معارض للوصاية السورية بحجة ان الموضوع يتعلق بتطبيق بند اساسي من بنود اتفاق الطائف. وبالعودة الى ارشيف تلك المرحلة كان الرئيس نبيه بري ركيزة اساسية للسياسة المذكورة باعتباره رئيسا للسلطة التشريعية.

اليوم يخرج الرئيس بري من دُرجه الورقة ذاتها، وينفض عنها الغبار ليرميها في سوق التراشق السياسي والاعلامي. هذه المرة قد يكون الهدف مزدوج الابعاد: سوري، بمعنى العودة الى لعبة تخويف المسيحيين في ظل توافر معطيات تفيد ان المزاج في الكتلة المسيحية لا يزال يميل بقوة الى منطق 14 آذار في مرحلة تقترب فيها الانتخابات البلدية. اما البعد الآخر فمرتبط بمواصلة القوى نفسها من جهة، والبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير من جهة أخرى، التركيز على معضلة سلاح "حزب الله" الذي يمثل، شئنا ام ابينا، القضية الخلافية المركزية في البلاد، لا يقلل من جوهره الخلافي المواقف التسووية في الوسطين الاسلامي والدرزي المتصلة بمنطق الفرض والاكراه بما يبقي صفة الموقت لصيقة بها.

طَرَحَ رئيس مجلس النواب نبيه بري موضوع الغاء الطائفية السياسية بشكل متدرج ليصنع من السجالات حوله مادة الحياة السياسية الاساسية بدل قضية السلاح من خارج الشرعية. وهو نجح الى حد بعيد في استدراج المسيحيين الى حلبة مساجلات عقيمة، لا تقدم ولا تؤخر بل تساهم في اشاعة مزيد من الخوف في الاوساط الشعبية. ربح الرئيس بري رهانه بحرف الانتباه عن موضوع سلاح "حزب الله"، ويعمل على بلوغ هدف آخر هو تخويف المسيحيين في مرحلة يعود فيها الحكم السوري الى الساحة من بوابة المصالحات العربية – العربية، مع التراجعات المستمرة للجناح المسلم في القوى الاستقلالية.

ويدرك الرئيس اكثر من اي مسؤول آخر، ان موضوع الغاء الطائفية السياسية، وان يكن في حد ذاته هدفا نبيلا نص عليه دستور الطائف، مستحيل التطبيق لاهداف تتجاوز البعد المسيحي الى البعد الاسلامي – الاسلامي حيث العلاقات اكثر اشتعالا، واشد خطورة، فضلا عن ان مبدأ الغاء الطائفية السياسية مثير للسخرية مع وجود احزاب طائفية لا بل مذهبية مسلحة تمتلك منظومة حياة كاملة من خارج المنظومة اللبنانية الواحدة يستحيل العيش معها في دورة اجتماعية واحدة.

لقد طرح موضوع الغاء الطائفية السياسية للمساجلة، وما كان ليستأهل كل هذا التوتر المقابل، بل كان يجب مواصلة التركيز على القضية الخلافية المركزية المتمثلة بالسلاح غير الشرعي، وبالدفاع بقوة عن قرارات دولية تمثل صكوكا استقلالية كالقرارين 1559 و1701.

في المقابل، طرح فريق سياسي موضوع الفيديرالية رداً على مسألة الغاء الطائفية السياسية. لا بأس. ولكن كيف نصل الى فيديرالية من دون ان نجازف بالانجرار الى حروب داخلية؟ الأمر يستحق التفكير، انما قد تصبح الفيديرالية المادة السياسية الاساسية في لبنان في حال جرى توريط لبنان مرة اخرى في حرب اقليمية كما حصل في تموز 2006. هنا يصير العيش الواحد موضوعا خلافيا يتقدم موضوع السلاح المُورِّط (بضم الميم وكسر الراء)!

المصدر:
النهار

خبر عاجل