الحرب الإقليمية يستبعدها اعتدال الإدارة الأميركية وتطرّف الحكومة الإسرائيلية
واقع المنطقة: أحداث مفاجئة قد تطيح الاستقرار غير المضمون
ينبع استبعاد إحتمالات الحرب الإقليميّة في هذه المرحلة من واقعين أساسيين: واقع الإدارة الأميركية وهي أكثر "إعتدالاً" من أن تحارب، وواقع الحكومة الإسرائيلية وهي أكثر "تطرّفاً" من الحرب. والنتيجة أنّ ميل تأثير كل من الإدارة الأميركيّة والحكومة الإسرائيليّة على مجرى الأحداث في المنطقة يضعف أكثر فأكثر، فكل واحدة تعطّل ما للأخرى.
ويعود إستبعاد الإشتعال أيضاً من نتائج الحربين الأخيرتين على لبنان وقطاع غزّة، حيث ان الصراع انتقل نهائياً وبشكل كليّ من مرحلة "الحروب النظامية" إلى "حروب المنظمات". لكن، وللمرة الاولى منذ عام 1967، خمدت، وبشكل نهائي، الجبهات القتالية الميدانية في الصراع العربيّ الإسرائيليّ. هذا في وقت يتواصل الإستيطان في الضفّة الغربيّة ولا تبدو اسرائيل مكترثة كثيراً لـ"التطبيع" الذي خال العرب أنّه من مصلحة إسرائيل وأنّها يمكنها أن تدفع مقابله حفنة من الأرض هنا أو هناك، أو تعيد ولو بعضاً من اللاجئين.
مع ذلك فإن المشهد الذي يرتسم مع هذه الوقائع لا يمكنه أن يشي بأي إستقرار كان. فالإستقرار إمّا أن يؤمّنه توازن في الإلتزام بمساعي التسوية سواء على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي أو على صعيد الملف النووي الإيرانيّ، وإمّا أن يؤمّنه ما يعرف بـ"توازن الرّعب". والحقيقة أن التوازن الأوّل ممتنع، في حين أن التوازن الثانيّ كلاميّ أكثر منه واقعيّ، وإن كان من الممكن الحديث عن "رعب متبادل لا متوازن". لكن ثمّة فارقاً كبيراً بين الإثنين. وقد يستطيع "الرعب المتبادل اللامتوازن" أن يبرز دعائيّاً كـ"توازن للرّعب" كما في حرب 2006، لكن ليس مضموناً له أن ينجح في إعادة هذه الصورة بشكل تلقائيّ، بل ثمّة مخاطرة لتزيين "الرّعب المتبادل اللامتوازن" هذه المرّة بدعاية "الرّعب الوجوديّ" الموجّه ضد الدولة الصهيونيّة دون إمتلاك أدواته الفعليّة، وهو ما أدى في حربي 1948 و1967 إلى "رعب إستعماريّ" بتواطؤ "إجماعيّ" من الغرب.
الشكل الحالي لإعتدال الإدارة الأميركية ولتطرّف الحكومة الإسرائيليّة هما واقعان يبعدان شبح الإصطدام الإقليميّ. وهما في الوقت نفسه واقعان يفقدان أي ضمانات قويّة للإستقرار في المنطقة، ويتساوقان مع واقعين آخرين: بلوغ توسّع النفوذ الإيرانيّ مداه الأقصى، وتقاطع هذا النفوذ مع مسارات "تفتيتية" لكذا دولة عربيّة. كذلك، فإنّ "إستعصاء الحرب والسلم" بهذا الشكل، يمكنه أن يعيد بلورة المخاطر الإرهابية الإستراتيجية التي يمكن أن تعود، فتطال، الغرب في عقر داره بعد أن اندثرت هذه المخاطر في السنوات الأخيرة.
إذاً فإنّ حصيلة نظرة شاملة لمسارات "الحرب والسلم" في المنطقة يمكنها أن تجنح إلى التالي: من دون "أحداث مفاجئة" لن تكون هناك "حروب إقليميّة" هذا العام أو في العام الذي يلي. هذا مختلف تماماً عن حرب احتلال العراق 2003 مثلاً التي تمّت بقرار أميركي منفرد، ومن دون "حدث مفاجئ" مباشر يؤسّس عليه، بل على قاعدة "قياس غير مباشر" على حدث 11 أيلول 2001، الذي لا علاقة لنظام صدّام حسين به لا من قريب أو بعيد، بل لم يفكّر أحد في إتهامه بذلك بشكل جديّ.
في الوقت نفسه فإن المنطقة حبلى بكل العناصر "المعدّة للإنفجار" إذا ما تأمّنت "الأحداث المفاجئة"، سواء عرفت هويّة من يقف وراء هذه الأحداث أو خفيت. وهذه "الأحداث المفاجئة" لا يمكن توقّعها، لكن يمكن القول بإحتمالها، بل بشديد إحتمالها، ويمكن الحكم أيضاً بأنها قابلة لإشعال "البرميل الإقليميّ" لو حصلت.
وحده إستباق هذه الأحداث بالإقلاع في عملية التسوية العربية الإسرائيلية، أو بمبادرات جديّة لدخول المفاوضات مع إيران دائرة "السلامة" للمنطقة، يمكنه أن يشكّل ضمانة حقيقية ومتكاملة.