كان رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط واضحاً عقب لقائه النائب ميشال عون في الرابية، بالاعلان ان مصالحة الجبل بين المسيحيين والدروز كانت أثناء زيارة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير للجبل. وجنبلاط بذلك وضع حداً نهائياً لمحاولات استثمار سياسي واستغلال للزيارة واللقاء بين الحزب التقدمي و"التيار الوطني الحر" بدأت منذ لقاء بعبدا بين الجانبين، وثمة من يسعى الى استكمالها بمزيد من المواقف والبيانات التي أرادت أن تُظهر أن زمن المصالحة في الجبل لم يبدأ الا قبل شهر بالتحديد.
الواقع الذي يعرفه كل المهتمين بالعودة الى الجبل وخصوصاً القياديين في التقدمي و"القوات" والكتائب، أو بتعبير آخر الاحزاب المقاتلة التي انخرطت في الصراع العبثي على الجبل مطلع الثمانينات، أن ثمة شعوراً بالندم على ما جرى في تلك الحرب منذ بداياتها الى نهايتها الأليمة، ومنذ وضعت الحرب أوزارها كان ثمة قرار بالعودة الى التلاقي. والمسألة على ما يقول العارفون ان عملية ترميم الوحدة في الجبل ليست وليدة مصالحة من هنا او هناك، بل هي نتاج قرار استراتيجي ووطني تجلى في مسار طويل من المصالحات الشعبية واللقاءات البلدية اعتباراً من عام 1990. ومنذ ان وضعت الحرب اوزارها كانت سلسلة متلاحقة من مشاريع العودة الى القرى عبر تفاهمات محلية وعملانية واخلاءات ودفع تعويضات بما يتجاوز اللقاءات الحزبية الاعلامية على مستوى القيادات الى جهد عملاني. والواقع ايضاً ان زيارة البطريرك صفير للجبل كانت تتويجاً لتلك المصالحات، ويذكر انه حين نزل مناصرو الاحزاب المنضوية لملاقاة البطريرك صفير في جولته على قرى الشوف وعالية من الدامور الى دير القمر ومجدل المعوش وعشرات القرى، لم يكن أحد ليعترض على ما جرى او ليجرؤ على الاعلان ان المصالحة لم تحصل.
وبلغت حركة هذه الاحزاب ذروتها خلال الانتخابات البلدية عام 2004، عندما خاضت القوى المسيحية المجتمعة في اطار "لقاء قرنة شهوان" غمار ذلك السباق على امتداد مساحة القرى والبلدات المسيحية في الشوف الاعلى والاوسط والوادي وساحل الشوف وعاليه. وحققت نتائج محترمة مكنتها من الفوز بغالبية المجالس البلدية والاختيارية في جبل لبنان الجنوبي اما مباشرة واما بالواسطة، رغم القمع الذي كانت تتعرض له من النظام الامني لا من الحزب الاشتراكي الذي كان تحت المجهر بدوره. ثم كانت أحداث 14 آذار التي عززت حضور هذه القوى وشبكت بينها المزيد من التحالفات، وتحديداً بين التقدمي و"القوات اللبنانية" اللذين استفادا من دينامية عناصرهما لكي يحصدا حضوراً مهماً جداً في القرى المسيحية رغم القمع الذي تعرضت له من النظام الامني المشترك طوال سنين. وخلال انتخابات 2005 رد "القواتيون" التحية التي وجهها لهم جنبلاط بضم نائب رئيس الهيئة التنفيذية لحزبهم جورج عدوان الى لائحة "اللقاء الديموقراطي"، بالتصويت الكثيف.
لم يتردد مسيحيو 14 آذار في الشوف بين 2005 و2009 في تقديم كل اشكال الدعم لحليفهم، خصوصاً مع عودة أحزاب مسيحية عريقة الى العمل في الشوف مثل حزب الوطنيين الاحرار والكتائب، وهو ما مكّن النائب وليد جنبلاط من حصد اعلى نسب تصويت في البلدات والقرى المسيحية وتلك المختلطة. ويروي احد نواب المنطقة ان بعضاً من المحازبين كان ينبري اثناء اللقاءات الشعبية الى التعبير عن رفضه الاقتراع للائحة كاملة، فكان الجواب واحداً بالتصويت للجميع دون استثناءات، مع ما يعنيه الأمر، او ما ادى اليه من تشطيب بين المرشحين المسيحيين وتقدم لجنبلاط. ولكن رغم ذلك امكن ملاحظة النسب المتقدمة التي حققها المرشحان دوري شمعون وجورج عدوان. لكن هذه النتائج لم تنف وجود فئة لا بأس بها من الرأي العام المسيحي وجدت في خطاب "التيار الوطني" المناهض لجنبلاط منذ سنين طويلة متنفساً للتعبير عن موقفها المناهض له على خلفية حوادث الجبل وغيرها، الامر الذي وجد ترجمته في الاصوات التي حصل عليها مرشح التيار الوزير السابق ماريو عون.
لكن ذلك لا يلغي حقيقة قائمة وواضحة تتلخص بأن ملف العودة الى الجبل وصل الى خواتيمه التي تحتاج الى اخراج وجملة ترتيبات معينة لإنهاء ملفات العودة الى بريح، وتحديداً النزاع على بناء اقيم على اراضي المسيحيين، والشحار الغربي (عبية وجوارها) اضافة الى كفرسلوان في المتن الاعلى. والمسألة لا تتصل بقضية المصالحة في الجبل والتي انجزت منذ زمن بعيد بل بتأمين الدعم المالي لحل هذه المشكلات المعقدة نظراً لارتباطها بملف التعويضات، الذي وان كان كبيراً الا انه لا يشكل سوى جزء بسيط من التعويضات التي دفعت في الجنوب لإعادة بناء ما هدمته آلة الحرب الاسرائيلية.
يقول المتابعون لملف العودة الى الجبل ان تعويل بعض قوى 8 آذار على المصالحة بين الحزب التقدمي و"التيار الوطني" هو من أجل تأمين فوز الاخير في الانتخابات البلدية والاختيارية في القرى والبلدات المسيحية وتلك المختلطة في عالية والشوف. لكن هذه المقاربة تفتقر الى الدقة وفق المتابعين، اضافة الى مدى انعكاس نتائجها على الانتخابات البلدية والاختيارية بعد ثلاث سنوات ونصف سنة، مع ما يعنيه ذلك من مقامرة بمصير قوى رئيسية في الجبل قد تجد نفسها في وضع صعب جداً سنة 2013 ما لم تدرس خياراتها بكل عناية في منطقة يتداخل فيها العامل العائلي مع الديني والحزبي والولاءات الموروثة منذ سنين طويلة، وحتى في أكبر بلدات الشوف المسيحية مثل الدامور ودير القمر ومجدل المعوش وغيرها، حيث تتقدم قوى وتتراجع أخرى باستمرار.