كتب النائب السابق جواد بولس في "النهار": تقول حكمة فارسية قديمة: "ليس العاقل من يميز الخير من الشر، بل العاقل هو من يعرف خير الشرّين".
يترجح لبنان بين شر الطائفية السياسية وشر إلغائها. وقد حمل الكثير من السياسيين اللبنانيين الطائفية السياسية في لبنان مسؤولية عدم قدرة اللبنانيين على بناء دولة آمنة ومستقرة فيما يدافع فريق آخر عنها مشيراً إلى مخاطر إلغائها على الحريات العامة وبالتالي على النظام وعلى الكيان.
كيف نفهم دور الطائفية في لبنان وارتباطها الوثيق بتجربة لبنان السياسية وما هو تأثيرها على العقد الاجتماعي؟
لا بد من تسليط الأضواء على هاتين المسألتين قبل مقاربة بعض توجهات "حزب الله" في شأنهما وذلك من طريق إبراز الثوابت الآتية:
أولا: لقد كان لبنان، ولا يزال عبر التاريخ:
– ملجأ للأقليات المضطهدة دينياً في هذا المحيط الإسلامي العظيم، المتلاطم الأمواج، الحافل بأحداث جسام.
– ممرا بين الشرق والغرب، وبين قارات ثلاث، منفتحا عليها جميعا.
– واحة للحريات الدينية والفكرية. فبلدنا متجذّر في روحانية الشرق ومتأثر بالغرب حيث اقتبس الفكر الجمهوري فترجمه واقعا ملموسا.
ثانيا: للمجتمع اللبناني خصائص نستلخصها من أعمال المفكر اللبناني أنطوان نجم كما يلي:
إن جماعات لبنان (وكلها أقليات) متمايزة. تنظر كلّ منها إلى ذاتها على أنها وحدة مجتمعية متكاملة، وهذا مردّه إلى أن الطائفة، في لبنان والشرق برمته، جسم تاريخي متلاحم، تداخلت فيه وتشابكت، في فعل جدلي، مواقف ومفاهيم دينية بمواقف وخيارات سياسية، مما أفرز واقعا مجتمعيا، وماديا، ومعنويا وروحيا، وطقسيا وثقافيا وسياسيا، عرفت وتعرف به الطائفة، تشكل بنية تحتية صلبة.
وقد تبنت هذه الجماعات السياسية نظام التوافق بين "مختلفين" وهو ما اقتضاه تعايش الضرورة، للدفاع عن الذات الطائفية.
يتحكم في سلوك كل من هذه الجماعات تحصين "مصالحها الوجودية العليا" لأن الشعور بالخوف الدائم من فقدان الحرية يولد لديها حساسية مفرطة حيال أي خطر، يمكن أن يهدد وجودها.
وقد نتج من ذلك:
– اقتناع كل جماعة بأنّه من الضروري إحاطة نفسها بسياج من الضمانات، تتقي به مخاطر المستقبل المجهول، لأن الخوف عندها مستمر، من أن تستبيح الجماعات الأخرى "المدى الحيوي" أو "النطاق المحرم" السياسي والجغرافي، الذي تتحرك في إطاره.
– شعور بالفوقية عند هذه الطوائف وبأنها تتحلى بنوع من التفوق "النوعي"، وإن لديها وهماً – دينياً أو ثقافيا أو ديموغرافياً… أو عسكريا مما ولّد لدى كل منها إحساسا بضرورة ترجمته سياسيا، وتسبّب عندها بتخوّفٍ من الآخر، على أساس طمعه فيها.
وقد تجلت هذه الحقائق واقعاً ملموساً لدى كل الطوائف الرئيسية مداورة خلال السنوات الأربعين الماضية ولا تزال.
ثالثا: إن قيام لبنان، دولة ونظاما، مرتبط بدوام الإرادة الإجتماعية لطوائفه، لأن الإرادة التأسيسية لم تكن بلا شروط، علنية أو ضمنية.
إن الطوائف في لبنان وجدت قبل الدولة والنظام، وهي علة وجودهما. وأي تغيير في شكل الدولة يفترض إرادة إجماعية، وكل تغيير في النظام، لا يوافق عليه الجميع، ينفي علة وجود الدولة في وجدان المتضررين.
إن هذه المعطيات التاريخية تشكّل المنطلقات الضرورية لفهم جدلية العلاقات بين الطوائف والدولة:
إن اتفاق العام 1943 ذو شقين:
1) الميثاق وهو التوافق المسيحي – الإسلامي، على العيش المشترك، في دولة لبنان الحرة، السيدة، المستقلة، وهذا الميثاق هو "الثابت".
2) الصيغة وهي الشكل التطبيقي الدستوري-القانوني-السياسي. والصيغة هي المتحول وقد عدّلها اتفاق الطائف في العام 1989.
بعد هذه المقدمة الطويلة والضرورية وبناء عليها ننطلق إلى تحليل بعض التوجّهات لدى حزب الله من التي نراها تطال النظام والميثاق معاً.
أولا: حول مسألة الطائفية السياسية وضرورة إلغائها
لقد عبر "حزب الله" عن موقفه من الطائفية السياسية في الوثيقة السياسية للحزب الصادرة حديثاً، المليئة بالتناقضات، والتي يضرب منطقها في مناح عدة، الأسس الفكرية التي بنى عليها الحزب نفسه مشروعه السياسي الخاص.
وقد ورد في الشق المتعلق بالنظام السياسي ما يلي:
"أن المشكلة الأساسية في النظام السياسي اللبناني، والتي تمنع إصلاحه وتطويره وتحديثه بشكل مستمر هي الطائفية السياسية. كما أن قيام النظام على أساس طائفي يشكل عائقا قويا أمام تحقيق ديموقراطية صحيحة يمكن على ضوئها أن تحكم الأكثرية المنتخبة وتعارض الأقلية المنتخبة، ويفتح فيها باب لتداول سليم للسلطة بين الموالاة والمعارضة أو الائتلافات السياسية المختلفة. لذلك فإن الشرط الأساس لتحقيق ديموقراطية حقيقية من هذا النوع هو إلغاء الطائفية السياسية من النظام…".
ينمُّ هذا الموقف عن سوء إدراك لمفهوم الديموقراطية لأن الطائفية السياسية ليست علة الديموقراطية المدمرة كما يصور بل بالعكس، فهي علة وجودها واستمرارها. لماذا؟
لأن للديموقراطية ثلاث ركائز أساسية هي:
أولا: حكم الأكثرية المنتخبة بحرية من الشعب.
ثانيا: حماية حق الأقلية في المعارضة.
ثالثا: التناوب على السلطة بين الافرقاء السياسيين على أثر الانتخابات أو على أثر تبدل التحالفات السياسية، من غير أن يكون هناك رادع فكري أو ايديولوجي أو ديني يحول دون ذلك.
تصلح هذه المنظومة عندما تكون الأكثرية "سياسية" والأقلية "سياسية" بحيث ينتقل الأقلوي إلى الأكثرية مع تزايد قبول الناخبين طرحه السياسي.
وتسقط هذه المنظومة عندما تكون الأكثرية والأقلية دينية أو عرقية. لأنه لا يمكن الانتقال من واحدة إلى أخرى إلا بتغيير الدين أو الخروج من العرق وهذا ما لا يمكن القبول به أخلاقيا شرطا من شروط العمل والانتماء السياسي.
نستخلص أن المنطق التحليلي الأخلاقي الذي بنى عليه "حزب الله" موقفه خاطئ أو ناقص أو مقلوب: لأن الديموقراطية التوافقية ليست حاجة في ظل الطائفية السياسية، بل تصبح كذلك في غيابها، على عكس ما يسوقه "حزب الله" وعلى نقيض ما يؤسس عليه مشروعه السياسي.
وقد اعترف واضعو اتفاق الطائف بذاتهم بعدم إمكان التخلص من الطائفية السياسية في لبنان ولو إنهم دعوا إليها. فإذا كان من الواقع أن هذا الاتفاق قد نص على ضرورة تشكيل لجنة حكماء للبحث في إلغاء الطائفية السياسية فقد عاد وكرسها بلحظه ضرورة إنشاء مجلس شيوخ على أساس طائفي يؤمن مساحة سياسية دنيا للجماعات الطائفية كي تعبر عن نفسها بهذه الصفة. وكأنّي بواضعي اتفاق الطائف أرادوا رسم حدود لعمل اللجنة التي نصّ على إنشائها بحيث تكون مهمتها ليس إلغاء الطائفية السياسية (وهو الأمر المستحيل إذا أردنا المحافظة علي ديموقراطيتنا) بل معالجة سلبياتها من دون المس بجوهرها. ولو كان لي باقتراح تدبير يتيم في هذا الإطار، فهو التوصية بحل الأحزاب ذات الطابع الديني والانتماء الطائفي المونوكرومي وتحفيز الأحزاب المتنوعة الانتماء تنوع الفسيفساء اللبنانية.
فالطائفية إذن ليست علة، وينبغي كما يقول المؤرخ جواد بولس: " ان لا يلتبس الأمر حول طبيعة النزاعات المسماة طائفية والتي تحرك من حين إلى آخر، بعض البيئات في هذا البلد. هذه الخلافات هي بعيدة كل البعد عن أن تكون عوارض مرض حقيقي وعميق، بل على العكس، إن هي، في عين مراقب موضوعي وعاقل، إلا حركات سطحية ومصطنعة افتعلها محرضون اختصاصيون ذوو مصلحة. إن هذه الظواهر التي تظهر هنا وهناك والمصطبغة بصبغة دينية، تخفي في الواقع مصالح خاصة متضاربة".
(الأسس الحقيقية للبنان المعاصر: ص 90-91)
فالعلة الحقيقية ليست في الطائفية السياسية بل هي في السلاح الطائفي. فسلاح كهذا هو العقبة الأساس أمام استتباب النظام وقيام الدولة ويشكل الخطر الداهم على مستقبل ديموقراطيتنا وحرياتنا.
وفي كل الأحوال لا نستغرب أن الحزب قد ضيّع البوصلة في فهمه الديموقراطية لأنه ليس مؤهلا فكريا لاستيعاب المفهوم الديموقراطي أساسا. فالديموقراطية مبنية على مبدأ أساسي يقول بأن الشعب هو مصدر السلطات، وهي القاعدة التي قام عليها دستورنا الجمهوري. أما عقيدة "حزب الله" (واسمه مقرون بها) فتذهب إلى اعتبار ان السلطة النهائية القاطعة ليست للشعب إنما للولي الفقيه. ولولا ذلك لما احتاج الحزب إلى فتوى دينية للمشاركة في الانتخابات النيابية عام 1992 والتي لا يزال مفعولها سارياً حتى الآن.
ثانيا: ورد في البند السادس من البيان الوزاري: "للبنان بجيشه وشعبه ومقاومته الحق في الدفاع"… الخ
لقد أحدث هذا البند الذي أدخل على البيان بضغظ من "حزب الله"، تحفظا عند كثيرين وهم على حق في التحفظ. لماذا؟
لأننا لو قصدنا من كلمة "مقاومة" الواردة في النص أن ننعت بها كلمة "شعب" أو حتى كلمة "جيش"، لكان أصبح كلاهما مقاوما، وعندئذ، لم تكن هناك حاجة الى أي تحفظ.
أما والحقيقة أن كلمة "مقاومة" استعملت لتختصر مصطلح "المقاومة الإسلامية في لبنان" فيكون البند السادس قد اجتزأ الإشارة إلى المقاومة بكامل اسمها ودلالتها ونكون قد منحنا "المقاومة الأسلامية في لبنان" شخصية معنوية مستقلة عن الجيش والشعب. يحق لنا عندئذ أن نسأل: من أين تأتي شرعية هذه "المقاومة"؟.
فشرعية الشعب تأتي منه بالذات، فهو مصدر السلطات ومصدر كل شرعية سياسية بحسب مفهومنا للديموقراطية. وشرعية الجيش تنبثق من كونه مؤسسة دستورية تستمدّ شرعيتها من الدستور. ولكن ما هو مصدر شرعية "المقاومة" إذا لم تنبثق لا من الشعب ولا من الدستور؟ هل تنبثق هذه الشرعية من الولي الفقيه، وهو المرجع غير اللبناني؟ وإذا كان الوضع كذلك، فأين مصلحة اللبنانيين في ترفيع شرعية الولي الفقيه إلى مستوى شرعية الشعب والدستور؟ وما هي تداعيات ذلك على النظام؟ وعلى الحريات؟ وعلى العقد الاجتماعي أي إرادة العيش المشترك؟ وبالتالي كيف يمكن عدم التحفظ عن هذا البند؟ وكيف للمسيحيين بشكل خاص أن يوافقوا عليه أو يدافعوا عنه كما فعل بعضهم عن جهل، فتلك مصيبة، أو عن وعي، فالمصيبة أعظم؟
فإذا كانت ولاية الفقيه قد أصبحت مصدرا من مصادر شرعية النظام السياسي فكيف يمكن القول إذن، مع سماحة السيد حسن نصرالله، أن ولاية الفقيه مسألة فكرية وإيديولوجية لا تقبل المراجعة السياسية ؟ ألا تستأهل هذه المسألة أن يناقشها في السياسة سياسيون من غير أن نصطدم بحاجز الاجتهاد الديني أو تهمة المس بالمقدسات بعدما أصبحت مصدرا من مصادر شرعية النظام؟ وفي هذه الحالة، ما الذي يمنع الطوائف الأخرى من المطالبة بمنح مرجعياتها الدينية شرعية توازي الشرعية التي منحت للولي الفقيه، وهي لبنانية وهو لا؟ وكيف يطلب من المرجعيات الدينية في لبنان، أن تبقى بمنأى عن الكلام السياسي، فيوجه إليها الاتهام، كما وجه إلى غبطة البطريرك الماروني مثلاً، وإلى السلطات الدينية الأخرى، كلما اتخذت موقفا وطنيا وسياسيا، بأنها تتدخل في الشؤون السياسية ثم نجزم إن ممثِّل الولي الفقيه لا يخضع للمراجعة السياسية؟ وأخيرا كيف يمكن إذن، مع هذا، أن نجمع بين الإصرار على الاعتراف بهذه الشرعية من جهة والمطالبة بإلغاء الطائفية السياسية؟ تناقض عقلي كلي! هكذا نرى أن الأسس الفكرية الذي يبني عليها الحزب مشروعه السياسي، غير متينة، يغلب التناقض الصارخ على منطقها المعلن. وهذه هي النقطة الثانية في مبحثنا.
ثالثاً: سلاح "المقاومة الإسلامية في لبنان" أي سلاح "حزب الله".
يبرر الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام للحزب في كتابه "حزب الله النهج والتجربة" في مجرى كلامه على نزع سلاح الميليشيات بعد اتفاق الطائف عدم تسليم سلاح "حزب الله" إلى الدولة بكون اتفاق الطائف تكلم على نزع سلاح "الميليشيات" ولأن الحزب لم يكن "ميليشيا". وقد استند إلى ثلاثة معايير ميّزت "حزب الله" في رأيه عن الميليشيات فحالت دون معاملة هذا الجيش الخاص معاملة الميليشيات الأخرى في حينه:
1 – المعيار الأول: لم تكن "المقاومة" ميليشيا لأنها لم تكن طرفاً في الحرب الأهلية اللبنانية.
2 – المعيار الثاني: لم تتمسك بالسلاح في المناطق التي تم تحريرها، أو في الداخل.
3 – المعيار الثالث: لم يستعمل الحزب السلاح لأغراض سياسية، أو لدفع اجندته السياسية قدما.
إن أهمية هذه المعايير من أهمية واضعها، الشيخ نعيم قاسم، الرجل الثاني في "حزب الله".
أما الحقيقة وواقع الأحداث فما هي؟
لقد كانت المقاومة طرفا في الحرب الأهلية، باعتراف الشيخ نعيم قاسم نفسه، وفي كتابه نفسه، حيث يصف لنا المعارك الطاحنة بين "حزب الله" وحركة "أمل" التي جرت خلال الثمانينات من القرن المنصرم. فقد انتفى المعيار الأول ومن غير المقبول القول إن المعارك بين أبناء الطائفة الواحدة أو الجماعة الواحدة لا تتصف بصفة الحرب الأهلية.
أما الشرط الثاني فقد سقط تلقائيا لأن الحزب احتفظ بسلاحه في المناطق المحررة وفي الداخل الذي لم يكن يوماً رازحاً تحت الإحتلال الإسرائيلي وفي كل لبنان، بالأصالة والوكالة، ولا يزال.
ثم أن الحزب، لدعم أجندته السياسية، اتكل على رهبة سلاحه لفرض أجندته السياسية في الاعتصام في وسط بيروت، كما في تعامله مع الجيش اللبناني وفي أحداث 23 و25 كانون الشهيرة. ومن ثم هو استعمل السلاح فعلا في غزوة بيروت والجبل في 7 أيار التي لا تزال رواسبها تتفاعل.
هكذا تصبح مسألة تصنيف "المقاومة" المسلحة خارج أي نقاش جدي. فسلاح "حزب الله" هو سلاح ميليشوي من دون لبس أو حياء إذ ينطبق عليه وصف السلاح الميليشوي الذي وضعته قيادته بالذات. أما ما يجب مناقشته فهو كيفية تطبيق اتفاق الطائف على هذا السلاح، كما طبق على الميليشيات الأخرى، لإيجاد طريقة لاستيعاب السلاح تدريجاً في الجيش كي يصبح تحت إمرة القيادات السياسية المنتخبة في لبنان.
في الختام، إن الشرط الاساس لاستمرار أي أمة هو أن " تكون إرادة العيش المشترك راهنة (actuelle). ويكفي، لكي تنوجد أن يتحول تجمع شعوب غير متجانسة، جمعتها ماضيا عناصر ظرفية، لسبب أو لآخر، في وحدة اجتماعية تحكمها المصلحة الحالية" (جواد بولس: الأسس الحقيقية للبنان المعاصر: ص 80). وإذا صح ذلك للأمم، فكيف إذن بالنسبة إلى بلدنا، حيث الشعب متجانس، والمصلحة في الأمن والاستقرار والرفاهية والتطور والتقدم والابتعاد عن الصراعات وعدم السماح بتحويل لبنان ساحة رئيسية لصراعات الآخرين واضحة وجلية لمن ينظر إلى تلك المصلحة من منطلق اعتبار الكيان اللبناني نهائياً ودائماً لا ظرفياً وعابراً.
ولا يمكن توجهات "حزب الله" التي لحظناها في معرض انتقادها إلا أن تضرب أسس العيش المشترك في الصميم، لأنها تؤدي بالضرورة، إلى القضاء على الديموقراطية (إلغاء الطائفية السياسية) وعلى الحريات (ترفيع الشرعية الدينية إلى مستوى شرعية الدستور الحامي للحريات) والمساواة بين اللبنانيين (اقتناء سلاح فئوي لا يأتمر بأمرة ممثليهم المنتخبين). كل ذلك في ضوء رفض الحزب الاعتراف بنهائية الكيان وبالتالي بالمصالح "الراهنة" أو الحالية التي تجمع الفئات اللبنانية الأخرى وهي التي تجعل هذه النهائية فعل إيمان حقيقياً وأساسا للرغبة في العيش المشترك أي للميثاق.
في خلال ولايتي النيابيّة تكوّن لدي اقتناع بأن "حزب لله" لم يستخلص العبر من تجربة باقي الطوائف في محاولاتها لصقل نظام على قياسها أو على قياس مفاهيمها الخاصة، وقد فشلت جميعها فشلاً ذريعاً وكانت العودة دائما إلى الميثاق وإلى لون من ألوان الصيغة من دون تعديلها في الجوهر. وكأني بـ"حزب الله" يعتبر أن تجربة الطوائف الأخرى هذه لم تفشل إلا لأنها لم تحسن التخطيط والتنفيذ أو لعلة في التزامها الإيديولوجي.
أما الحقيقة التي أكتشفها الباقون ويبقى أن يكتشفها "حزب الله" بدوره لو تواضع بعض الشيء، فهي أن المس بالميثاق لن يؤدي إلى تغيير النظام في لبنان بل إلى زوال الكيان اللبناني وانتهائه. فالمس بالجوهر مستحيل تحت طائلة الموت. فما دام الزمن هو زمن النصائح الودية فلنستحضر بيت الشعر هذا:
تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس (أبو العتاهية)