أثار تعثّر الزيارة الموعودة لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الى دمشق موجة تساؤلات وشكوك وتكهّنات حول أسباب التردّد أو التباطؤ السوري في استقباله ، وكادت كل الآراء تلتقي عند ضرورة قيامه بخطوتين:
– استكمال جولته على حلفاء سوريا وعقد مصالحات معهم .
– اعتذاره العلني ( عبر وسيلة اعلامية مرئية ) عن " الاساءات " التي ارتكبها ضد الرئيس السوري بشّار الاسد شخصيا ، وضد الشعب السوري ( طالما أن في سوريا رأيا عاما حيّا وحرا بفعل الديمقراطية يفرض المواقف على قيادته ) .
ومع أن جنبلاط قام بالخطوتين ، على مدى 6 أشهر ، بما فيهما " الاعتذار " لمجرّد وعده به ، ولو جاء في سياق سياسي عام ضمن تصريحات وبيانات متكررة ، فانّ استقباله في دمشق ظلّ مؤجّلا . لماذا ؟
الواضح أن العقدة الحقيقية ليست في المصالحات والاعتذارات ولو كانت هذه ضرورية كمساحيق تجميل ، وهي ليست أيضا في لعبة الانتقام والساديّة الشخصية ، فالدول لا تبني سياساتها الفعلية على النزوات والثأر الشخصي ، والاّ لما تصالح العاهل السعودي والرئيس السوري ، وسواهما كثر .
العقدة تتصل بجوهر السياسة السورية الجديدة وانعطافاتها الاقليمية والدولية ، وهنا ما يمكن تقديره واحتسابه في هذه المسألة :
منذ 2 آب الفائت خطا جنبلاط خطوة واسعة نحو الضفّة السياسية الاخرى ، وفي ظنّه وقراءته أنّها توصله الى دمشق ، فاذ بها أكثر اتساعا ، وتجاوزتها الى طهران . ذهب جنبلاط بعيدا في استعادة خطاب الممانعة والمواجهة والتماهي مع أدبيات الثنائي حسن نصرالله – أحمدي نجاد ، بما ابتعد عن حقيقة التموضع السوري الطارىء في الموازين الاقليمية والدولية . ففيما كانت دمشق تعقد رباطا وثيقا مع تركيا والسعودية على خط سياسة الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي بما يمكن تسميته " الممانعة السلمية " ، كان جنبلاط يتوغّل ، ولو خطابيا ، في خط " الممانعة الحربية " ، مستعيدا خطاب السبعينات و " المواجهة الاممية " ، متلازما ولو من بعيد مع ما دعت اليه " الوثيقة السياسية " الجديدة ل " حزب الله " ، وهذا ما يعاكس الاتجاه السوري ويخالف حسابات دمشق خلافا لكل ما يطفو على سطح الاعلام التمويهي .
أخطأ جنبلاط حين أراد السير على الحبل السوري الايراني المشدود ، في الوقت الذي كان هذا الحبل آخذا في الارتخاء .
وفي التقدير السياسي أيضا ، أن اصرار جنبلاط في تصريحه الاخير على عبور " الربع الرابع " من الطريق الى دمشق على همّة السيد نصرالله فقط ، سيجعل هذا العبور أشد حساسية وتعقيدا ، لأن بين انخراط سوريا في المربّع الجديد الذي تقف على احدى زواياه الى جانب تركيا والسعودية ومصر ، وبين انخراط " حزب الله " في مشروع " تغيير وجه المنطقة " ، مسافة واسعة وهوّة عميقة ترقص فيها عفاريت المتغيّرات .
ووليد جنبلاط ، المعروف بقدرته على رصد حركة الريح ، خانته حاسّته اللاقطة هذه المرة . فالمطلوب منه ، سوريا ، أمر بسيط : أن يعيد تصغير حجم خطوته فلا تخرج عن حدود دمشق . هذا ما بدأ يفعله " حلفاؤها " القدامى والمستحدثون . وهذا ما بدأ يفعله جنبلاط نفسه منذ أيام .
أرصدوا حركته وتصريحاته في الايام الطالعة .