لا يستطيع اللبنانيّون أن يتجاوزوا أو يقفزوا فوق المؤشِّرات المقلقة التي بدأت تطلُّ في اتجاه الوضع اللبناني الموعود بشهر عسل طويل، كما في اتجاه المنطقة وأحداثها المتأججة دفعة واحدة، وبصورة عامة.
وخصوصاً تلك التي تولَّى توزيعها في الربوع اللبنانيَّة بابا نويل "فتح – الانتفاضة" أبو موسى، والتي تمثَّلت بمفرقعة سلاح المخيمات، وما هو منه خارج المخيمات، مما يعود بالذاكرة اللبنانيَّة الى تلك العصفوريَّة الدمويَّة والتدميريَّة التي لم يكن أبو موسى واترابه و"فتح الأم" و"فتح – الانتفاضة" ثم "فتح الاسلام"، بغرباء عنها.
بدا أبو موسى العائد من "احتجاب" نيٍّف وثلاثة عقود من الزمن كأنه مكلَّف فتح مَعمعة سجالات واشتباكات سياسيَّة على عتبة انطلاق ورشة التعيينات الأداريَّة، واعادة ترميم المؤسَّسات، واسترجاع ما خسرته الدولة من مكانة ودور ومسؤوليات، تمهيداً لاعادة الاعتبار الى الجمهورية التي لم يبق منها سوى الوجود الرمزي… والنذر القليل من مضمون النظام والدستور.
أو كأن ثمة مهمة خاصة، أو رسالة مستعجلة الى الساحة اللبنانيَّة التي صدَّقت واقتنعت أن ما مضى قد مضى، وان مرحلة جديدة في انتظار الوطن الصغير الذي لا يعرف من أين تأتيه المصائب والدواهي، وبأيٍّ منها يبدأ، وأين ينتهي.
على هذا الأساس وهذه القناعات والاحلام، بدأ اللبنانيون حكومة وشعباً وسياسيين يتحضرون ويتهيأون لتشييد قصور فوق الرمال وفوق الماء، وهم يستعجلون الأيَّام والتطوُّرات للانتقال الى زمن لبناني جديد طال انتظاره، وطال تعليل النفس بأن ساعته آتية لا ريب فيها.
ومَنْ يدري ما الذي تخبّئُه مفاجأة أبو موسى التي تستحق صفة "المفاجعة" ولقبها وتاجها وما اذاكان تشديده على رفض أي الغاء للسلاح الفلسطيني خارج المخيَّمات أو داخله، أو في أي مكان من لبنان. وفي أي زمان. ومن دون الرجوع الى السلطات اللبنانية، أو حتى اعلامها "صوريّاً" على الاقل.
وبعدما أكّد أن لا سوريا ولا سواها يمكن ان تمون على وجود السلاح أو عدم وجوده خارج المخيمات، أعاد الى الأذهان المعزوفة القديمة التي أوصلت لبنان الى الخراب والهلاك، واودت بدولته ومؤسَّساته الى الانهيار والتفكّك، وباللبنانييّن الى التشتت، وبالنظام اللبناني والصيغة اللبنانيَّة الى انشقاقات وخلافات وصدامات لا تزال جروحها تنزف حتى اللحظة.
ولا تزال ذيولها تتفاعل، تارة لدى انتخاب رئيس جمهورية جديد. وطوراً لدى تشكيل حكومة بعد انتخابات نيابية جديدة. وحيناً لدى الانتقال من احتفاليّات المصالحات وتبويس اللحى الى الشروع في اصلاح ما خرَّبته عقود الفوضى والتسيّب.
وأبو موسى العائد من "غربة" الثلاثين حولاً، يتذكّر ولا شك ما ومَنْ أوصل لبنان واللبنانيين الى هذه التراجيديا التي أنست العالم هوْل التراجيديا الاغريقيَّة.
لا يُخفي كبار المسؤولين والسياسيين والمرجعيين استغرابهم لما أفضى به زعيم "فتح – الانتفاضة"، وتوقيته، وتوقيت "ظهوره"، ومكان هذا "الظهور".
من هنا كانت النصيحة بالتريُّث في الحكم والتعامل مع هذه الاطلالة، وانتظار ما قد يكون خلفها.