تتطلب عملية اعادة ترسيم الحضور اللبناني وتفعيله على الخريطة الديبلوماسية العربية والدولية "أرضا داخلية" صلبة تستند اليها الحركة اللبنانية الضرورية في الخارج. وهذا يتطلب رسوخ الوفاق الوطني ومناعته، بما يعيد الى لبنان صفة الدولة المتمكنة والقادرة على أداء دورها والقيام بالتزاماتها.
أمام هذه المعادلة يستطيع رئيس الحكومة سعد الحريري أن يستعير القول المأثور ولو معدّلا: اللهم أعنّي لترتيب أمور لبنان في الداخل وأنا كفيل بترتيب أمور لبنان في الخارج!
وهكذا تتحول جلسة مجلس الوزراء اليوم مناسبة موضوعية او بالاحرى عملية، لاثبات مدى التفاهم والاتفاق بين اعضاء حكومة الوحدة الوطنية، على موضوعين أساسيين يشكلان اختبارا لها، وهما:
مسألة التعيينات الادارية وموضوع الانتخابات البلدية. أما موضوع تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية فـ"ملحوق" عليه كما يقال، وإن كان قد أثار ويثير من النقاش الشيء الكثير!
❒❒❒
حكومة الوحدة الوطنية التي تطلب تشكيلها الكثير من العناء والعياء، تواجه اذا ثلاثة مواضيع كفيلة بخلق نوع من التعقيدات وإطلاق نمط من الاشتراطات واثارة سلسلة من التناقضات التي نخاف في الواقع أن تؤثر على قواعد التفاهم وعلى مظلة الوحدة التي تبقى ضرورية لنجاح السلطة التنفيذية في القيام بما وعدت به من عمل وبرامج على لسان رئيسها، وكذلك في صلب بيانها الوزاري، أضف الى ذلك ما ينتظره منها اللبنانيون الخارجون من حقبة تعطيل للدولة والسلطة استمرت خمسة أعوام على الاقل.
تعقد جلسة مجلس الوزراء اليوم وسط سلسلة من الزيارات المهمة والمفيدة جدا التي يقوم بها الرئيس الحريري مع طاقم فضفاض من الوزراء في إيحاء ضمني مقصود وإن لم يُعلَن. ان روح الوحدة الوطنية ماثل في هذا التحرك الخارجي الجامع، وقد شمل حتى الآن تركيا ودولة الامارات بعدما كان الحريري زار السعودية وسوريا، والذي يشمل فرنسا ثم مصر، ولكل من هاتين الدولتين دورها المميز في دعم لبنان.
❒❒❒
وسط هذا الحراك لاعادة بناء علاقات لبنان الخارجية التي كان الرئيس ميشال سليمان قد بدأها، يحتاج رئيس الحكومة بالتأكيد الى قواعد صلبة وثابتة للتفاهم والوفاق والوحدة الوطنية، بما يسهل عليه تحقيق أهدافه الخارجية. إن على صعيد تحصين التأييد لهذا البلد ونحن نمر في مرحلة دقيقة وخطرة على المستوى الاقليمي، وإن على صعيد تحسين شبكة المبادلات والمصالح والمساعدات التي تدعم الاقتصاد اللبناني.
لهذا لا بد من تكرار القول ان مسألة التعيينات قد تفتح علينا "بئر الافاعي" اذا أصر البعض على تطبيق مثالب المحاصصة والمحسوبية والاستزلام في فرض أسماء لا تليق بالمسؤولية ولا بالكراسي الـ76 التي يفترض ان تشملها هذه التعيينات.
ربما لهذا حرص الحريري منذ البداية على القول إن هذه التعيينات يجب أن تحترم الدستور وقواعد الكفاءة والاستحقاق والجدارة وأن تتم في اطار من الشفافية التي تعدل كل الافرقاء. طبعا ليس هناك في القوى السياسية وفي المرجعيات من لا يؤيد شفاهة هذا التوجه، فالبلد الآن أوركسترا تعزف "أوبرا الطهارة" المتوخاة في التعيين، لكن ما في الصدور عند الكثيرين غير ما في الكلمات وعلى الافواه. ولهذا تتسع المخاوف من ان يشكل موضوع التعيينات اهتزازا قد يصيب ركائز الوحدة الوطنية التي تستند اليها الحكومة. وهذا بدوره يؤثر سلبا على نتائج التحرك الخارجي.
والقصة في عمقها ليست في الواقع قصة محسوبيات واستزلام فحسب، وبمقدار ما هي ايضا قصة سياسية بامتياز. بمعنى ان قوى المعارضة سابقا التي استطاعت ان تطيح عمليا نتائج الانتخابات النيابية وأن ترسل مبدأ الديموقراطية الى الاستيداع، بفرض مفهوم التوافق فرضا وهو ما يعني "التوافق الاكراهي"، لن تتوقف عند حدود ما توصلت اليه حتى الآن.
على هذا الاساس، هناك مخاوف فعلية من ان تكون قوى معينة في المعارضة، تريد ان تكون التعيينات بمثابة مؤشر بياني لتطورات التوازن السياسي في البلاد منذ الصيف الماضي، بما يعني ان الامر في عمقه قد يتحول معركة سياسية، بين فريق الاكثرية، الذي يحرص بالطبع على ألا تصل ترددات الخسائر التي مني بها الى قيام ادارة تديرها المعارضة وفريق المعارضة الذي يريد توظيف زخم "الاكراه السياسي" لتحسين مواقعه في هذه الادارة بما يساعده على ما يسميه البعض: "محو آثار المرحلة السابقة".
عندما نقول ان التعيينات امتحان لكل القوى السياسية، فاننا ننسى أنها تشكل ايضا امتحانا غير مباشر لمظلة التفاهم السعودي – السوري. لأن مضي المعارضة في "عصر" الاكثرية مثل حبة من الحامض لن يساعد في تثبيت التفاهم وترسيخ الوحدة الوطنية. واذا كان هناك من يراهن على ان أوزار التعيينات السيئة والمعيبة ستنعكس على صورة الرئيسين سليمان والحريري فهو واهم لأن اللبنانيين لم يفقدوا عقولهم ولا عيونهم التي تعرف من أين يأتي بعض "الزلم" أصحاب السعادة المديرين!