#adsense

لمَ لا تكون طاولة الحوار بديلاً من تشكيل “الهيئة الوطنية” ؟

حجم الخط

مجلس النواب مدعوّ لحسم الجدل حول موضوع إلغاء الطائفية
لمَ لا تكون طاولة الحوار بديلاً من تشكيل "الهيئة الوطنية" ؟

لا يزال موضوع الغاء الطائفية يثير اسئلة وتساؤلات كثيرة وتختلف الاجوبة عنها وتتعدد التفسيرات في الاوساط الرسمية والسياسية والدينية والشعبية، منها: لماذا اثير هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات؟ وما هي حقيقة الدوافع والخلفيات؟ فاذا كان الحرص على تطبيق مادة دستورية فإن هذه المادة مضى عليها 60 سنة ولم تطبق، واذا كان الواجب الوطني بات يقضي بتطبيقها، فلماذا لا تطبق معها مواد اخرى لم تطبق بعد، مثل بسط سلطة الدولة على كامل الاراضي اللبنانية، واللامركزية الادارية وانشاء مجلس للشيوخ، اضافة الى اعتماد النسبية في الانتخابات النيابية لتوفير التمثيل السياسي الصحيح، وتوحيد كتابَي الدين والتاريخ المدرسيين وتأمين حق الاقتراع للبنانيين في الخارج وكذلك اعطاء هذا الحق لمن اكملوا سن الـ18… وغيرها من المواضيع التي تشكل سلة واحدة تنفذ كاملة ومن دون انتقاء كيفي او تجزئة، بحيث يشكل تنفيذها خريطة طريق صحيحة تكون سالكة وآمنة لبلوغ الغاية المنشودة من الغاء الطائفية، والاصح القول تجاوزها وليس إلغاؤها.

ثمة من يقول ان المطالبة بالغاء الطائفية تنبع من الحرص على تطبيق المادة 95 من الدستور قبل او من دون تطبيق مواد اخرى باقية هي اسهل تطبيقا منها، مع ان هذا الحرص على احترام الدستور لم يكن خلال السنوات الأخيرة. هذه المطالبة ربما ترمي الى فتح باب تعديل دستور الطائف تحقيقاً لمزيد من التوازن بين السلطات، وأن الفرصة متاحة الآن أكثر من أي وقت مضى لتحقيق ذلك كون الطائفة الشيعية باتت الاكبر عددا والاكثر تسلحا. فكما كانت الطائفة المسيحية، وتحديدا الطائفة المارونية تشكو من الخوف فحصلت على مناصب مهمة في الدولة وعلى صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية بحيث اصبح كما كان يصفه زعماء مسلمون "ملكا على جمهورية" ورئيس الحكومة "باشكاتب"، فان الطائفة السنية كانت تشكو من الغبن وتطالب بتقليص هذه الصلاحيات واعادة النظر في توزيع المناصب المهمة في الدولة بحيث تكون لها حصتها العادلة فيها.

وكان الزعماء المسيحيون يعارضون ذلك ويتمسكون بالدستور كما هو، وممنوع في نظرهم مس ما لا يمس، الى ان كانت الحروب الداخلية في لبنان (لبنانية – فلسطينية، ولبنانية – لبنانية) وكان اخطرها مسيحية – مسيحية التي جعلت قادتهم يذهبون الى لقاءات الطائف وهم ضعفاء عسكريا وسياسيا ويضطرون الى التسليم بمطالب الشريك المسلم وأهمها انتقال السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا، هذا المجلس الذي يترأسه رئيس الحكومة عندما لا يحضر رئيس الجمهورية.

وبعدما ازال دستور الطائف الخوف لدى المسيحيين، باعتبار لبنان "وطنا نهائيا لجميع ابنائه" واعتماد "المناصفة بين المسيحيين والمسلمين" في مجالس النواب وفي تشكيل الحكومات وفي وظائف الفئة الاولى مهما تبدل الوضع الديموغرافي، وازال الغبن لدى المسلمين بتحقيق التوازن بين السلطات، فان الطائفة الشيعية التي تعتبر انها لم تحصل على حصتها العادلة في دستور الطائف اخذت تشكو من الغبن، فيما المسيحيون عادوا يشكون من الخوف على مصيرهم ووجودهم ودورهم في لبنان، عندما يسمعون بالمثالثة بدل المناصفة وبالتبعية لايران وتحديدا لولاية الفقيه، بعدما تخلصوا عند نيل الاستقلال من التبعية لسوريا او لفرنسا، وعندما يسمعون بإحداث منصب نائب رئيس الجمهورية للشيعة يكون له حق التوقيع على مراسيم معينة الى جانب توقيع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، او عندما يسمعون بالمداورة بين الرئاسات الثلاث ثم بالغاء الطائفية السياسية الغاء كاملا حتى اذا ما اعتمد العدد بدل التعددية، فان الطائفة المارونية تخسر اعلى منصب لها في الدولة هو رئاسة الجمهورية، فيصبح الغاء الطائفية عندئذ الغاء لدور الاقليات بتهميش وجودها في لبنان، وهو ما ينبغي، تلافيا له، تطبيق التدابير والاجراءات التي تجعل من النظام الطائفي في لبنان نظاما علمانيا ودولة مدنية يبدأ قيامها بالتنشئة الوطنية في البيوت وفي المدارس وفي الاحزاب وبتطبيق الزواج المدني ولو اختياريا.

وثمة من يرى ان ربط تطبيق مواد باقية في الدستور بالغاء الطائفية هو وسيلة ضغط لبلوغ ذلك بحيث لا يكون مجلس للشيوخ ولا لامركزية ادارية، ولا نسبية في الانتخابات النيابية ولا حق الاقتراع للبنانيين في الخارج ولمن اكملوا سن الـ18 إذا لم يتم الغاء الطائفية اولا، فيبقى كل شيء عندئذ على ما هو الآن الى اجل غير معروف.

لكن هذا الربط في نظر المعترضين ليس في محله، اذ لا يجوز ربط ما يوجد خلاف عليه بما لا خلاف عليه، وإلا لماذا كانت المطالبة بالسياسة التوافقية من بين المواضيع الاساسية والمهمة. فقد لا يكون توافق على الغاء الطائفية، ويكون توافق على اعتماد النسبية مثلا في الانتخابات وعلى اعتماد اللامركزية الادارية. واذا كان من حق فئة ان تطالب بالغاء الطائفية، تطبيقاً للمادة 95 من الدستور، فان من حق فئة اخرى ان تعارض ذلك، لان لها اسبابها ومخاوفها، وان تحقيق هذا الالغاء يتم عندما يتحقق اجماع عليه كما قال الرئيس الحريري وذلك تطبيقا لـ"الديموقراطية التوافقية" التي تريد فئة ان تحل محل الديموقراطية العددية التي تحكم فيها الاكثرية والاقلية تعارض.

لقد تبين ان المطالبة بتعديل الدستور لا تخضع لما تتطلبه مصلحة الوطن والمواطن بقدر ما تتطلبه موازين القوى الداخلية والخارجية. فعندما كانت الطوائف المسيحية وتحديدا الموارنة، هي الاقوى داخليا وخارجيا جاء التعديل لمصلحتها، وعندما اصبحت الطوائف المحمدية هي الاقوى داخليا وخارجيا جاء التعديل لمصلحتها، والآن تشعر الطائفة الشيعية بانها هي الاقوى محليا واقليميا فتطالب بتعديل يكون في مصلحتها او يحسّن وضعها ويصححه.

لذلك، فان الحل في رأي بعض المراقبين لا يبدأ بتشكيل هيئة وطنية تبحث في اقتراحات الغاء الطائفية، بل في طرح الموضوع على هيئة الحوار الوطني لدى انعقادها في القصر الجمهوري، وان هذه الهيئة، بما تمثل ومن تمثل قد تكون اكثر تمثيلا من الهيئة الوطنية التي نص عليها الدستور. واذذاك يكون موضوع الغاء الطائفية السياسية مطروحا مع موضوع الاستراتيجية الدفاعية، وان هيئة الحوار تدرس الاجراءات الملائمة والطرق الكفيلة بالغاء الطائفية وتعتبر هي الهيئة الوطنية التي نص عليها الدستور وتقدم اقتراحاتها الى مجلسي النواب والوزراء للنظر فيها واتخاذ قرار في شأنها.

ويكون من هذه الاقتراحات تلك التي اوردها الرئيس بري في مؤتمره الصحافي وتلك التي سيقترحها اركان هيئة الحوار، او ان يحسم مجلس النواب الجدل حول الموضوع، لان الدستور يدعوه الى ذلك.

الواقع، ان ما ينبغي ان يكون موضوع اتفاق وتوافق بين الجميع هو ان تقوم في لبنان قبل اي شيء آخر، الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل الاراضي اللبنانية، وان لا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها. فكما توضع خريطة للبناء قبل مباشرة العمل، فان اقامة الدولة تحتاج ايضا الى خريطة تتولى هيئة الحوار الوطني رسمها على ان تكون دولة مدنية لا دولة مذاهب وطوائف، والا كان الغاء الطائفية، طائفية…

المصدر:
النهار

خبر عاجل