وضع خورخي لويس بورخيس اعمالا كثيرة وترجم اعمالا اكثر. واتفق نقدته حول العالم على ان ثمة ثلاثة آثار له يُلزم ان تُقرأ: “حديقة ممرات الشوك"، و"الألف"، و"قصص متخيلة". وفي هذه المجموعة واحدة بعنوان "فوينس، وذاكرته"، تحكي قصة صبي من الريف، ارنييو فوينس، ولد بذاكرة عجيبة لا نهاية لها. لا شيء يفوته ولا شيء ينساه. كل ما يراه، في الماضي والحاضر، ينطبع محفورا. حتى تغير حركة الغيوم في سماء القرية تظل مطبوعة كالنحت. ولكن بسبب هذا الكم من التذكر، لا يستطيع الولد فوينس هذا، ان يكوّن اي فكرة عامة. الذاكرة مأخوذة بالتدوين. وهذه مهمة ساذجة للعقل. لماذا؟ لان الانطباع شيء، والتفكير شيء آخر. لذلك قامت السياسة على خلق حقائق اخرى للناس: ما نقوله، او نصوّره، هو الحقيقة، وليس ما تراه.
نحن في عالم كثير التحولات تصبح فيه الذاكرة عبئا، وشاهدا ثقيلا. هو يعتقد ان الذاكرة هي العقل، في حين ان العقل الحاذق نقيض الذاكرة الجيدة. وفي شيء من الاختصار، او الاستخلاص، يمكن القول انما العبقرية في النسيان. الذاكرة اداء كسول، ساذج، اعتاد ان يتفرج على الحقائق وان يصدقها ايضا. العقل اداة ذكية، تعرف ان علاقة الحقائق بالحقيقة، لا تتعدى علاقة الشاشة بالصور. سينما او تياترو، كما يقول منح الصلح.
عندما قرأت حكاية الولد فوينس هذا، خيّل الي ان بورخيس، بدهائه المعهود، اراد ان يلتقط لنا صورة جماعية في اطار واحد. لاحظ ماذا يحدث في اي صورة جماعية (عائلية، مدرسية، تذكارية) يتخذ كل فرد وضعا مختلفا عن الآخر: يركع الذي في الصف الأمامي، لكي يمكّن الكاميرا من التقاط الرجل الذي خلفه. ويبتسم الجميع للمصور وللكاميرا وللمناسبة، مع ان البعض قد يكون مصابا بالحكة. او بالعِرق الأنسر. لكن الاطار يفرض على الجميع الامتثال باسمين، وقوفا، ركوعا، او جالسين وايديهم على خدودهم، علامة التفكير العميق، مثل صور نعيمة وجبران واحمد شوقي، اوائل القرن الماضي.
الولد فوينس، لا يقدم ولا يؤخر. يذهب في الليل الى وسادته، ويكتشف انه مهما تقلّب، فقد طبعت ذاكرته كل مشاهداته بأمانة لا تطاق. ويوما بعد يوم يتبين له ان العلة في الامانة وليست في قلتها. انها تملأ ذاكرته وتحشوها على طريقة العلاج بالمضادات الحيوية: تشفى من الالتهاب بابتلاع شيء منه. هذا هو المبدأ الذي تقوم عليه ايضا الثورة الطبية الجديدة، المعروفة بالخلايا الجذعية: تزرع خلية صحيحة لكي تحل محل الخلية التالفة من الجذع نفسه ويسمى ذلك ايضا الاستنساخ، الذي كانت علامته الاولى النعجة دوللي. لماذا يبدأ الاستنساخ بالنعاج؟ لا ادري. انا مثل الولد فوينس، اتذكر تغيّر حركة الغيم في سماء الضيعة، واترك "الافكار العامة" لغيري. والمبادئ العامة ايضا. وجميع الحلول الكبرى والوطنية والقومية. انا هنا، مع الناس والبسطاء، لا اغير موقفي.
تقبلت، برضى قروي مطلق، الفرق الحاسم بين ان اتذكر وان افكّر. وعرفت منذ البداية، ان لا مكان لي الا في التظاهرات الجماعية التي تطالب بالستر، وبان يكون للجائعين خبز، وللعراة رداء وللمشردين سقوف. او خيام. الباقي كرسي في صفوف المشاهدين، اصفق حين يصبح الاقطاع هو الثورة، والثروة هي فلاديمير ايليتش، والتحالف بين السندان والمطرقة، هو طريق الخلاص. الوحيد.
لم يسأل الولد فوينس مرة عن غرابة المعادلات، لان لا علاقة له بها. كل ما يعرفه ان الفصول لا تُخلط وان الغيم لا يَخدع. لكنه ولد، فوينس هذا، في عصر لم يكن فيه التغير المناخي قد صار هو قاعدة الطبيعة، والطبيعة قد غيرت عاداتها وطباعها واحيانا ملامحها. فالذين كانوا يهللون للربيع ويكتبون لعشتار ويتذكرون تجدد ادونيس، صاروا في الماضي، مع فؤاد سليمان ومحاكاة الجمال واعلاء المناقب والتخيل ان الحياة – برمتها – وقفة عز.
في العصر الجديد صار شعار الطبيعة "التسونامي"، اي زلزال الارض اذ يضرب اعماق المحيط، فيضيق البحر بمائه وتندلق الامواج على البر، غاضبة، جامحة، تطلب تأديب الذين لم يدركوا معنى اندماج الفصول. بعد.
مشكلة الولد فوينس، ان ذاكرته علقت بها جميع صور الزلازل، والهزات، وقيام البحر يطلب اليابسة. لذلك فهو يخاف، ليس من البحر، فان له تقلباته، لكنه يخاف على الارض. البحر يأخذ منها اخوته واصدقاءه واحباءه والشعراء الذين انبتتهم. اما الارض فجمال وعطاء وفصول، كل واحد في مكانه، في موعده، في عطائه، وفي خيراته. حتى الفصل الماطر، هو في النهاية، عقد ابدي مع الزرع والحصاد والجمال. الارض حضن، والبحر سفينة تمرّ بالموانئ، وتترك عليها من حملت من أهل الارض الطيبة.
الولد فوينس هذا، هذا الولد فوينس، يتأمل ذاكرته، فيصعقه مدى طاقتها على الحفظ، ومدى ما يحظر عليها التفكير. لان التفكير يؤدي، في طبيعته، الى طرح التساؤلات. الاسئلة في طبيعتها مزعجة. فقد سمعت، على سبيل المثال، ان احد المعجبين بالاستاذ وليد جنبلاط وبلماحته وظرفه قال له في لقاء امام مجموعة من الاصدقاء، قبل اكثر من ثلاث سنوات: "هل من الضروري، يا وليد بك، ان تتضمن معارضة سوريا، كل هذه التعابير؟ الا تعتقد ان استخدام هذه المصطلحات، كثير على الدروز وادبياتهم، قبل ان يكون كثيرا على سوريا؟ وماذا ستفعل غدا عندما تحدث المصالحة بينك وبين دمشق؟ كيف ستبدو هذه التعابير في استرجاعك لما حدث؟".
ليس في السياسة ذاكرة. تنفع الذاكرة فقط لبسطاء القرى، الذين لا ينسون على سذاجتهم، حتى حركة تغير الغيوم. السياسة تقبل فقط ذوي الافكار الكبيرة والمشاريع الكبرى والقضايا الكبرى! ذات يوم، وكان يوما طويلا ومريرا وفائضا بدماء الآخرين، تقاتل وليد جنبلاط وميشال عون في سوق الغرب. وبحسب ما كرر جنبلاط كثيرا بعد ذلك، انه قاتل من اجل ان يفتح الباب امام سوريا لدخول لبنان. اي ان المقدم ميشال عون كان آنذاك يقاتل، على رأس فرقة من الجيش، لكي يسد الباب، ويحول دون ذلك. كلاهما بنى الكثير من حصاده السياسي على سوق الغرب ومعركة "الشحار"، التي طالما صورت على انها ستالينغراد والمارن معا. ومن سوق الغرب اختصر عون المسافات وقفز حواجز الرتب ليصبح قائدا للجيش ورئيسا للوزراء، ومنها استمر جنبلاط في طريق الصعود السياسي، باعتباره الخصم الاقوى لما يمثله عون، في بيروت وفي الجبل وفي مقومات السياسة اللبنانية.
غريبة دورة الارض: الزعيم الجنبلاطي دار 160 درجة من اجل ان يعكس الدائرة 380 درجة. الجنرال عون قطع الدرجات نفسها، ولكن في الاتجاه المعاكس. الدورتان في كل الاتجاهات، ادتا الى لقاء "المصارحة". ليس من عادة فوينس ان يتساءل ولا ان يفكر، لانه يعرف ان هذا ازعاج لجميع القادة والسياسيين. لكنه بينه وبين نفسه، وبين بعض ابناء الطبقة الفوينيسية، يتساءل، هل كان كل ما مضى ضروريا، من اجل اكتشاف الطريق الى عاصمة تبعد 70 كيلومترا، من "كاراج الشام" الى "كاراج بيروت"؟ هل كان على الذاكرة ان تشاهد وان تطبع وان تحفر وان تحشر، كل ما مرّ من مشاهد ودمار وقتل وخطب ورفاق يسقطون على الجانبين وابرياء يسقطون على كل الجوانب ويموتون حول القصر الجمهوري ثم يدفنون في حديقته؟
عام 1975 رشح رشيد كرامي نفسه لرئاسة الجمهورية، فكتبت مقالا افتتاحيا في "الاسبوع العربي" اؤيده في ذلك. وانهالت علي الاتصالات، بلغة ولهجة 1975، لماذا تؤيد مسلما للرئاسة؟ وكان جوابي واحدا وبسيطا: لم يخطر لي اطلاقا انني اؤيد مسلما. كل ما خطر انني اؤيد رجل دولة قادرا على حفظ اليمين.
المؤلم في مصارحات ومصالحات زعماء لبنان، انها تأخرت جدا. ولا نريد التكرار. فالتكرار يحول دون التعمق، يقول رولان بارت. واكثر ما يقلق الولد فوينس الذي، للمناسبة صار كهلا، هو الا تدوم هذه ايضا. ففي نهاية المطاف ما حدث كان درسا في التاريخ والجغرافيا والعلوم السياسية: اراد الجنرال عون ان يكسر رأس سوريا بمعاونة صدام حسين، قافزا فوق دمشق على بساط الريح. المضاربة على الجغرافيا كالرهان على الورقة الثالثة. كان الجنرال دنتز مفوضا ساميا على لبنان وسوريا ايام حكومة فيشي. وعندما انتصرت قوات "فرنسا الحرة" احيل على المحاكمة. ووجه اليه المدعي العام العسكري تهمة السماح لسلاح الجو الالماني بالعبور الى العراق. كان دنتز واقفا فجلس وضحك، وقال للمدعي الاخرق: لقد سمحت للطائرات الالمانية بالعبور الى العراق كي لا تستقر في سوريا.
بعد العراق عبر الجنرال عون المتوسط والاطلسي الى الكونغرس الاميركي، كأنه لا يدرك ما هو الكونغرس بمجلسيه! ووقف وليد جنبلاط، الحاد الذكاء والكثير القراءات، يقول ان جمع الزبالة في نيويورك افضل من الزعامة في لبنان. وكان ذلك مسليا، ليس كدعابة من دعابة ظرفه، ولكن كرؤية سياسية لبلد يتمزق منذ نصف قرن، بين محاور اميركا الموقتة او العابرة، و"نداء الشرق" ووقائعه القاسية. ومفاجآته الصعبة. وكما في بداية الدورة الطويلة كما في نهايتها: خياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام. ولا اقصد الجاهلية البلدة. اذ كبلدة وبلد وبلاد، يظل التاريخ شغل المختارة.