ليس في تاريخ العلاقات اللبنانية مع دول الغرب ما يمكن أن يوازي العلاقة التاريخية الحميمة مع فرنسا.
منذ زمن بعيد وغداة الاستقلال لم تعد المسألة مسألة "أمومة" أو "حنان". بل أصبحت مسألة مصالح متبادلة وعلاقات دافئة تستند في عمقها الى العامل الإنساني والفكري والثقافي اكثر مما تستند الى التجارة والاقتصاد وحجم المبادلات.
منذ دخوله عالم السياسة متأملاً في مسيرة والده الشهيد ثم منغمساً في إدارة دفّة "تيار المستقبل" والأكثرية، عرف سعد الحريري تكراراً معنى ما كان يردده رفيق الحريري، من ان لبنان هو فعلاً، نافذة العرب ومحامي قضاياهم لدى الغرب عبر البوابة الفرنسية، ومترجم الغرب ومدير حواره مع العرب عبر بوابته.
الآن عندما يدلف سعد الحريري الى بوابة الاليزيه رئيساً للحكومة اللبنانية، لا بد من أن يكون قد استحضر في عقله قدوتين:
قدوة التاريخ في علاقة لبنان بفرنسا، وقدوة والده في نسج أمتن أواصر الصداقة والتعاون مع القادة الفرنسيين. لن تغيب عن ذهنه بالتأكيد حميمية تلك اللحظة التي توسّط فيها الرئيس جاك شيراك وسلفه نيكولا ساركوزي، عندما زار فرنسا زعيماً لـ"تيار المستقبل".
❒❒❒
تمثّل زيارة الحريري والوفد الوزاري الكبير الذي يرافقه، نقلة أساسية في إعادة ترتيب علاقات لبنان مع دولة طالما حرصت في كل عهودها ومع كل رؤسائها على ان تؤمن للبنان مظلة دعم وتأييد وحماية.
واذا لم يكن في وسع أي لبناني أن ينسى وقوف جاك شيراك وزوجته منحنيين أمام ضريح رفيق الحريري أو بالإحرى أمام جرح الوطن اللبناني، فليس في وسع اللبنانيين أن ينسوا الجهود الحثيثة والمتواصلة التي بذلها نيكولا ساركوزي لحل الأزمة التي أمسكت بالوضع في لبنان، مساعداً فاعلاً في ترتيب "اتفاق الدوحة" وانتخاب الرئيس ميشال سليمان، والسعي لترتيب العلاقات اللبنانية – السورية.
واذا كان رفيق الحريري قد أدى يوماً دور "وزير خارجية" سوريا في فتح النوافذ الفرنسية والأوروبية على دمشق، فإن ساركوزي مع رجاله الأساسيين أمثال فرنسوا فيون وكلود غيان وبرنار كوشنير أدوا بالتعاون مع السعودية دوراً أساسياً في إعادة فتح نوافد العلاقة الأخوية بين بيروت ودمشق، فصار التبادل الديبلوماسي بين البلدين حقيقة قائمة على أرض يتم ترسيم حدودها بين البلدين الشقيقين.
❒❒❒
طبعاً لا حاجة الى الاغراق في الحديث عن البعد الفرنكوفوني ومحتواه الثقافي والفكري بين بيروت وباريس، ولا عن اولئك اللبنانيين الذين يديرون مصالح فرنسا وشركاتها في المنطقة العربية، ولا الى استذكار مؤتمرات باريس 1 و2 و3 وما أمنته من دعم للبنان، ولكن من الضروري التوقّف أمام مجموعة من الحقائق التي تعطي الزيارة أهمية كبيرة ومنها:
❒ أولاً: ان فرنسا أعطت زيارة الحريري والوفد المرافق صفة "زيارة رسمية" لا "زيارة عمل"، وهذا يعني انها تحظى ببروتوكول خاص يبرز من خلال البرنامج الرسمي الحاشد الذي أعدّ لها، بمعنى انها توليها أهمية كبيرة وتعطيها طابع زيارة رئيس حكومة بلد صديق ومهم.
❒ ثانياً: تؤكد تقارير تستند الى مصادر فرنسية مطلعة، ان باريس مستعدة الى أقصى الحدود لدعم كل المطالب التي سيقدمها الحريري والوفد المرافق. وان على الحريري أن يفيد لبنان الى أقصى حد، بتقديم قائمة مطالب واضحة ومحددة و"طموحة" أيضاً، واستعمال كلمة طموحة في هذه التقارير يعني أن هناك ما يشجع على رفع سقف هذه المطالب، للحصول على مساعدات اقتصادية وأمنية لجهة تسليح القوى العسكرية وسياسية طبعاً لجهة دعم لبنان.
❒ ثالثاً: تشير هذه التقارير في شكل واضح وصريح، إلى أن تحسّن العلاقات بين فرنسا وسوريا لا يتم على حساب العلاقات الوطيدة بين فرنسا ولبنان، بل على العكس، فإن هذا التحسن يصب استطراداً في اطار تحسّن العلاقات بين بيروت ودمشق وباريس.
وفي هذا السياق فإن زيارة رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون لدمشق بعد شهر تقريباً، (مبدئياً في 21 شباط المقبل) ستساعد في تطوّر العلاقات مع سوريا، بما ينعكس ايجاباً على العلاقات مع لبنان، الذي يبقى بالنسبة الى فرنسا واسطة العقد العربي لأسباب ثقافية تاريخية سياسية واستراتيجية.
❒ رابعاً: هناك برنامج محدد لسلسلة من الزيارات التي سيقوم بها مسؤولون فرنسيون للبنان ومنهم رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه الذي يقيم مأدبة عشاء على شرف الحريري، ورئيس مجلس النواب برنار اكويي، إضافة الى برنار كوشنير طبعاً، بما يعني ان هناك جسراً من التواصل الرسمي سينشط دائماً بين البلدين.
على أساس كل هذا ثمة ما يحضّ على استذكار البعد السيكولوجي الخاص الذي سيتأجج حتماً في ذهن سعد الحريري الذي سبق له ان دخل الإليزيه من قبل، لكنه هذه المرة سيدخل محاطاً بروح والده الذي طالما صعد تلك الدرجات القليلة ووقف مصافحاً ومبتسماً.