#adsense

حكومة الخلافات الوطنية وليس الوحدة الوطنية

حجم الخط

 

بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي اعقبت اتفاق الدوحة، او جاءت تعبيراً عمّا تم الاتفاق عليه بين الافرقاء اللبنانيين بعد تدخل وضغوطات عربية ودولية، كان اللبنانيون، عند كل طرح يطرح، او استحقاق يقترب، او حادث يقتحم حياتهم، يفتشون بالسراج والفتيلة عن هذه الوحدة الوطنية، ولا يجدونها، لا في مجلس الوزراء ولا في مجلس النواب ولا حتى في الشارع، وعندما اقترب موعد الانتخابات النيابية في حزيران من العام الماضي، ظن اللبنانيون ان الفرج قد يأتي عند اعلان نتائج هذه الانتخابات، بحيث يتحمّل مسؤولية الحكم، من يحمّله الشعب مسؤولية تمثيله لمدة اربع سنوات، ولكن فرض على اللبنانيين مجدداً قيام حكومة عبّر عنها بأنها حكومة التوافق الوطني، ومرة اخرى وقع الشعب في تجربة التفاؤل الوهمي معتقداً عن حسن نية ساذجة ان حكومة الوفاق الوطني، لا بدّ وان تعبّر هذه المرة، عن التوافق الذي يطمح اليه الشعب، منهياً فترة طويلة وصعبة من الآلام والعذابات استمرت حوالى الاربع سنوات مشبعة بالدم والدموع والدمار، الاّ ان سلوك الذين فرضوا قيام هذه الحكومة، لم يكن حتى هذه اللحظة بمستوى الصورة اللمّاعة التي حاولوا اسباغها عليها ولا بمستوى الآمال التي عقدها اللبنانيون على حكومة ظنّوا انها قد تكون معبراً الى مستقبل افضل.

منذ اليوم الاول لمحاولة الرئيس المكلّف سعد الحريري تشكيل الحكومة، والخلافات تنخر كالسوس بين الافرقاء المفترض انهم يشكّلون السقف الواقي للوطن والناس.

اختلفوا على الأسماء والحقائب والبيان الوزاري، وعلاقات لبنان العربية والدولية، وكل زيارات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الى الخارج، وهم الآن مختلفون على تعديل الدستور، والغاء الطائفية السياسية، والملف الفلسطيني، والقرارات الدولية، وتطبيق الطائف، وسلاح حزب الله، وعلى التعيينات الادارية والامنية، وعلى الانتخابات البلدية والاختيارية، وعلى الامن بالتراضي، والخصخصة، والموازنة، والله اعلم على ماذا بعد.

هل يمكن لمثل هذه الحكومة ان تعطي الناس اطمئناناً وثقة وشعوراً بالرضى على اعمالها، ومعظم وزرائها يتصرفون بوزاراتهم وكأنها ملك لهم ولأحزابهم وطوائفهم، فترى فريقاً منهم لا يغيب وجهه عن وسائل الاعلام المرئي، حتى يطلّ صوته على المسموع وصورته على المكتوب، وآخر يأخذ المواقف والقرارات في وزارته بمعزل عن مجلس الوزراء صاحب الحق الدستوري بها، وهناك وزراء استعجلوا تغيير وجه وزاراتهم فصبغوها بصبغتهم السياسية والطائفية وفتحوا ابوابها لخدمة العامة يوماً او يومين – كما يشاع – وباقي الاسبوع لخدمة الخاصة المقربين.

لقد ثبت بالتجربة والممارسة، ان التوافق في الحكم، يشبه الى حدّ بعيد الأمن بالتراضي، وكما ان الامن بالتراضي لا يوفّر للدولة هيبتها، وللاوضاع استقرارها، وللمواطن اطمئنانه، كذلك التوافق في الحكم، الذي من شأنه ان يحوّل كل وزير الى رئيس وزراء، وكل وزارة الى مزرعة، اللّهم باستثناء من دخل الى الحكم يساعد في سلوكه على بناء الدولة وقيامها، لان همه كان وما زال وسيبقى الرهان على الدولة القوية العادلة النظيفة.

الكل يعلم، قياساً على طبيعته وسلوكه وتربيته واخلاقه، ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، يعمل على تراكم الايجابيات عند الذين يتعاونون معه من اجل نهضة هذا البلد، ولذلك فهو ينبّه الى السلبيات في شكل لبق، ويبارك الايجابيات ويبني عليها، ومن حظ اللبنانيين ان رئيس الحكومة سعد الحريري هو ايضاً من هذه الطينة، لكن النيّات الطيّبة لا يمكن ان تبني دولة ان لم يرافقها الحزم في وجه من لا يراكم سوى السلبيات في عمله وسلوكه وتصرفاته، ولذلك فإن بناء الدول لا يقتصر على عهد شخص او اثنين او ثلاثة، بل هو عمل جماعي بين فريق متجانس متناغم متفاهم، يحمل الاهداف والطموحات والرؤى ذاتها، فان اصاب ونجح، او لم يصب وفشل، فله عند الله والناس أجر واجران، امّا ان يبقى الحال في لبنان، تحت حجّة التوافق والشراكة، مقسوماً بين فريق يعمل لمصلحة قيام الدولة، وآخر لمصلحة بقاء المزرعة، فهذا يعني انهيار الدولة وانهيار الوطن.

المصدر:
الديار

خبر عاجل