الطالبان في كابول والمارينز في هايتي وعقيدة "قوّة أميركا في خلاسيّتها" تتزعزع
ربع مدّة أوباما: لا يسع القوة أن تكون عظمى وناعمة معاً
مضى حتى الآن "ربع مدّة" ولاية الرئيس الأميركيّ باراك أوباما. مع ذلك، لم تتضح سمات "التجربة الأوباميّة" بالقدر الذي أتضحت فيه في الساعات الأخيرة:
ففي القسم الشرقيّ من الكرة الأرضيّة نجد حركة الطالبان وقد وصل مسلّحوها إلى قلب العاصمة الأفغانية كابول وطاولوا القصر الرئاسيّ، في ردّ "نوعيّ" على نظرية أوباما والحزب الديموقراطي القاضية بـ"التركيز" على أفغانستان، بدل العراق، أي القاضية بمعنى آخر بالتراجع عن نظرية "الحرب العالمية على الإرهاب من أفغانستان حتى العراق" والفصل بين السياقين الأفغانيّ والعراقيّ على أساس التركيز على الطابع المحليّ لكلّ منهما، والإفساح في المجال لإمكان "الحل التفاوضيّ" مع قسم من حركة طالبان أو مع قسم من حزب البعث.
لقد جاء الرّد الطالبانيّ ليبرز أن ثمّة "إعوجاجاً" في هذه النظريّة.
أمّا في القسم الغربيّ من الكرة الأرضية فنجد أوباما وهو يدفع قوات المارينز، وبحماسة، لفرض حالة من "الإنتداب الإغاثيّ" على هايتي. والأمر يلاقى بالإعتراضات التقليديّة الرتيبة، الموجّهة ضدّ منطق "حريّة تصرّف" أو "حريّة تدخّل" الولايات المتحدة في الأميركيّتين دون استئذان أحد. و"الإنتداب الإغاثيّّ" يُدرج في سياق تكريس نظريّة "القوّة الناعمة" المتدخّلة عند حصول طارئ مأسويّ ولأسباب إنسانيّة، وفي افتراق عن نظرية "فائق القوّة" التي سادت في عهد الرئيس جورج بوش الإبن، والمتدخّلة بشأن استباقي لأجل إبعاد أو تقليل الأخطار والتهديدات الموجّهة للولايات المتحدة الأميركيّة أو لمصالحها عبر العالم. "الإنتداب الإغاثيّ" على الطريقة الأوباميّة يوجّه أيضاً ضدّ أسلوب التعامل الذي طبع الإدارة الأميركيّة السابقة مع الكوارث الطبيعيّة، وتحديداً مع إعصار كاترينا، والذي فاحت منه روحيّة غيبيّة قدريّة قليلة الإكتراث بالدوافع الإنسانيّة حين تفصل عن "تصادم الحضارات".
يدلّ المشهدان الأفغانيّ والهايتي على الإشكالات التي تبدو الإدارة الأميركيّة الحاليّة واقعة فيها: فهي غير قادرة في القسم الشرقيّ من الكرة الأرضيّة على تطبيق نظرية التحوّل إلى "قوّة عظمى ناعمة" إلا بالشكل الذي يبرزها كقوّة منكمشة، ومتراجعة، وبكل ما يهدّده ذلك من إنبعاث مخاطر جديّة لإزدياد "معدّل الفوضى" في الشرق الأوسط الكبير، بل، ولتصدير هذه الفوضى مجدّداً من الشرق إلى الغرب، بعد أن ساد الاعتقاد أنّ أحداث مانهاتن وواشنطن ولندن ومدريد لن تعود.
أمّا في القسم الغربيّ من الكرة الأرضية، فإن الإدارة الأميركيّة تجد نفسها معرّضة للاعتراضات التقليديّة وهي ترسل قوّات المارينز لنجدة شعب هايتي، إذ لا يبدو ان أحدا في العالم مقتنع بإمكانيّة أن تكون "القوة عظمى وناعمة" في الوقت نفسه، وشيئاً فشيئاً ستكتشف الإدارة الأميركيّة بعد لحظة انبهارها الذاتيّ بشعارها الإنتخابيّ حول "التغيير"، بأنّها باتت محاطة بشبكة "تقاطعات" بين أخصامها، سواء في العالم الأوّل أو في العالم الثالث، بما يضيّق عليها سبيل الحركة.
بعد 11 أيلول 2001 نجحت إدارة الرئيس السابق جورج بوش الإبن في التشخيص: لن تستطيع الولايات المتحدة قيادة العالم إلا باستمرارها في قيادة ائتلاف الأمم الغربية الحديثة في إطار حرب عالمية على "الإرهاب". بيد أن تلك الإدارة فشلت بشكل ذريع في إقناع الأمم الغربية الحديثة الأخرى بخوض هذه الحرب على "الإرهاب" وبتوسيعها إلى "حرب عالميّة" مع احتلال العراق. ثم فشلت هذه الإدارة في الحفاظ على مستوى قيادتها لائتلاف الأمم الغربية الحديثة بشكل عام، وكانت نتيجة ذلك الهزيمة التي منيت بها جيورجيا، في مؤشّر لا يمكن التقليل من أهميته التاريخية العالمية. ثم كانت النتيجة أن فشلت هذه الإدارة في إقناع الناخب الاميركيّ بمنطقها ككل، فأتى إلى البيت الأبيض من يحمل نظرة مختلفة كلياً وبالتمام.
وصاحب هذه النظرة المغايرة و"التغييرية"، أي أوباما، أراد تبديل الإشكالية: فلم تعد المسألة هي الحفاظ على قيادة العالم من خلال قيادة ائتلاف الأمم الغربية الحديثة في إطار حرب عالمية على "الإرهاب" وإنّما قيادة العالم على أساس عقيدة "قوّة أميركا في خلاسيّتها"، و"قوّة رئيسها في خلاسيّته"، وبالتالي وجب على التدخّل الأميركيّ في قضايا العالم أن يكون "خلاسيّاً"، والنتيجة إلى الآن: الطالبان في كابول، والمارينز في هايتي.
أما خارج كابول وبور- أو – برنس فتلفّ العالم حالة لا سابق لها من "الركود".. وقد بان أنّه المضمون العمليّ لشعار "التغيير" الذي رفعه أوباما في حملته الإنتخابية.