كتبت سابين عويس في "النهار": "ليست زيارة رئيس الوزراء سعد الحريري لباريس اليوم الاولى للعاصمة الفرنسية التي قصدها أكثر من مرة وفي غير مناسبة عامة أو خاصة حيث كان له لقاء مع رئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي، ولكنها من دون شك الاولى للحريري الابن من موقعه الجديد، اذ ستفتح أبواب قصر الاليزيه أمامه لتستقبله رئيسا للحكومة اللبنانية حاملا جدول أعمال سياسياً واقتصادياً يحدد الموقف اللبناني الرسمي من المواضيع المطروحة، خصوصاً انه لم يمض على تشكيل الحكومة أكثر من شهرين.
وتكتسب الزيارة أهمية في هذا السياق باعتبارها تشكل الاطلالة الاولى لرئيس الحكومة على المجتمع الدولي اذ ان باريس تشكل الوجهة الاولى للزيارات الرسمية لرئيس الحكومة، لاوروبا بعد تحركه على مستوى منطقة الشرق الاوسط. وهي حتما ستكون مقدمة لسلسلة زيارات لعواصم اوروبية يعتزم الحريري القيام بها تباعاً.
ولا شك في ان الزيارة الحريرية الاولى ستعول في الكثير من أهدافها والنتائج المتوقعة منها على القواعد المتينة التي سبق للحريري الاب أن ارساها مع فرنسا خلال عهد الرئيس السابق جاك شيراك واستكملت مع ساركوزي وعكست ثبات الموقف الفرنسي حيال لبنان كما تقول مصادر الوفد اللبناني الى باريس لـ"النهار"، والتي تضع زيارة اليوم في خانة تأكيد هذا الثبات ووضع فرنسا التي كان لها دور فاعل في تخفيف التشنج الداخلي اللبناني، في صورة التحرك اللبناني الاخير الذي يقوم به رئيس الحكومة ولا سيما بعد تشكيل الحكومة وزيارة سوريا، خصوصا انه كان لباريس دور اساسي في استقرار الوضع اللبناني ( المحكمة الدولية، القرار 1701، العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا) وهي لا شك تسعى من خلال دورها في لبنان وبعد استعادة الحرارة في العلاقة مع دمشق الى اعادة تموضع لموقعها على صعيد التسوية في المنطقة.
وتشير المصادر الى أن المحادثات اللبنانية – الفرنسية ستولي الملفين السياسي والاقتصادي اهمية متوازية لتؤكد من خلالهما عمق العلاقات الثنائية، بحيث ستشدد أولاً على استمرارية الدعم الفرنسي بقطع النظر عن تغير الاشخاص في مواقع المسؤولية. وستتناول بحسب المصادر المواضيع المتعلقة بالمنطقة وموقع لبنان وفرنسا فيها ان على المحور العربي – الاسرائيلي او السوري – الاسرائيلي او على المحور الايراني – الغربي والايراني – الاسرائيلي، وسيحدد الحريري الهدف الاساسي لأي حكومة الرامي الى حماية لبنان من الاخطار المحتملة من النزاعات القائمة لكونه جزءا لا يتجزأ من العالم العربي، وموقفه واضح من مساعي السلام والنزاع العربي – الاسرائيلي. وسيستمع الرئيس الحريري الى وجهة النظر الفرنسية من هذه المواضيع، خصوصاً ان موقع لبنان الجديد في العضوية غير الدائمة لمجلس الامن الدولي يعزز مساعيه الى التحذير من الاخطار المباشرة لعدم تطبيق القرار الدولي 1701.
وفي حين تتوقع المصادر ان تنحصر المحادثات السياسية في مجال تأكيد الثوابت اللبنانية والفرنسية حيال العلاقات بين البلدين والدور الفرنسي في دفع عملية السلام من جهة والحوار الداخلي من جهة أخرى، خصوصا ان الرئيس الفرنسي على مسافة واحدة من جميع الاحزاب والاطراف، تعول على امكان أن تحقق الزيارة نتائج على المستوى الاقتصادي بحيث سيكون مؤتمر باريس3 ملفاً رئيسياً في جدول الاعمال، خصوصاً أن الزيارة تترافق مع حلول الذكرى الثالثة لانعقاد هذا المؤتمر في العاصمة الفرنسية في ظل ظروف لبنانية مضطربة، وقد عمد الفريق اللبناني المناهض للمؤتمر الى التعبير عن معارضته ورفضه عبر توتير أمني وقطع طرق في الوقت الذي كان المؤتمرون من الرؤساء وممثلي الدول المشاركة يقرون دعماً مالياً غير مسبوق بلغ 7,4 مليارات دولار بموجب برنامج اقتصادي واجتماعي تقدمت به الحكومة اللبنانية.
وستكون محادثات الحريري في باريس مناسبة لاعادة تأكيد التزام الحكومة مقررات هذا المؤتمر الذي خضع لنقاش في جدواه والحاجة الى استكمال تنفيذ مقرراته في جلسات صياغة البيان الوزاري للحكومة، استكمل بحملة استهدفت قانونية المؤتمر ودستوريته على خلفية تمديد الاتفاق الفرنسي – اللبناني في شأن المبالغ المتبقية من التعهدات الفرنسية.
وهذا الاتفاق سيكون في صلب محادثات وزيرة المال ريا الحسن ونظيرتها الفرنسية كريستين لاغارد التي سبق لها أن زارت بيروت قبل نحو شهر لتوقيع تمديد الاتفاق. وعلم أن الجانب اللبناني يأمل من فرنسا تفهما لموقف الحكومة من تنفيذ الاتفاق خصوصا بعد الانتقادات التي تعرض لها لجهة قانونية الاتفاق والشروط التي تضمنها، باعتبار ان الاتفاق يلتزم تعهدات مالية مشروطة بإصلاحات تتعلق بقطاع الكهرباء وخصخصة الخليوي.
وسيسعى لبنان الى الحصول على بعض الليونة الفرنسية ليس حيال تنفيذ الاتفاق فحسب وانما حيال شرح مضمونه من خلال التأكيد ان الاموال المشروطة باصلاحات لا تشكل التزامات على كلا الفريقين، خصوصا ان بعض المتشائمين رأى في الشرطين تنصلاً فرنسيا من التزام بدفع ما تبقى من التعهدات والبالغة 225 مليون اورو في ظل تداعيات الازمة المالية العالمية التي كان لها تأثيرها المباشر على الاقتصاد الفرنسي.
في المقابل سيكون على لبنان أن يقدم شرحا لبرنامج عمل الحكومة ومدى التزامه استكمال تنفيذ مقررات المؤتمر الدولي، باعتبار ان لفرنسا التي استضافت المؤتمر ووفرت له ظروف النجاح مسؤولية معنوية حيال الدول والمؤسسات المانحة لجهة الاجابة عن جدوى تلك المؤتمرات اذا لم يترجم الدعم الدولي تنفيذا للاصلاحات المتفق عليها والتي تصب في نهاية الامر في مصلحة البلد طالب الدعم.
وسيكون على فرنسا ان تجدد تأكيد موقفها من الاتفاق لجهة أن لا شروط تحكم الدعم ولكن على لبنان ان يبدي جدية في التعامل مع الاصلاحات المرتقبة في قطاعين أساسيين.