Site icon Lebanese Forces Official Website

على ضفاف السين

الزيارة الرسمية الاولى للرئيس سعد الحريري لباريس تفتح نافذة على أسئلة راسخة في القِدَم، لا علاقة للعاصمة الفرنسيّة أو أية عاصمة دوليّة أو عربيّة بها وبمسبّباتها، وليس المجال مجالها، ولا الوقت وقتها… وان يكن لا بدّ من المرور بها.

فهي في الأساس والشكل والمضمون لبنانيّة بكل تفاصيلها. ومن الألف الى الياء. ومن داخل لا من خارج. ولعوامل وأسباب كثيراً ما تكون ضد مصلحة لبنان واللبنانيّين. وان تكن تحت عناوين لبنانيّة داخليّة هشّة.

و"الام الحنون" كثيراً ما سارعت إلى تلقُّف الازمات والاشتباكات الداخليّة، قبيل تطوّرها والافساح في المجال لدخول الأحصنة الطرواديّة، المنتظرة على أهبة الاستعداد.

مشكلة لبنان الكبرى ليست مع الدول الشقيقة أو الصديقة. ليست مع العالم العربي والدول الإقليميّة. ليست مع أوروبا، أو مع الأميركتين، أو مع أفريقيا. ولا مع أحد في القارة الآسيويّة وصولاً إلى سقف العالم في قمّة هيملايا.

بل هي، أولاً وأخيراً وبَين بَين، مع "الذات" اللبنانيّة. مع هذا اللفيف غير المتآلف وغير المتوافق والمختلف جهاراً على كل شيء. حتى على ما لا يستحق الاختلاف.

من تعيين موظف من فئة عاشرة، إلى اختيار وزير لحقيبة "سياديّة". ومن مجمل أنواع الانتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية والاختيارية، الى الدولة والمؤسسات والقوانين، ودورها بين مختلف "الدويلات" المنتشرة على وجه هذه الرقعة الجغرافية المتناهية في الصغر.

يحضر مثل هذا الكلام ومثل هذه الحقائق أحياناً عندما يقوم رئيس الجمهوريّة أو رئيس الحكومة بزيارات رسميّة لعواصم شقيقة وصديقة، سعياً الى مزيد من الدعم والتأييد والمساعدة لهذا البلد الذي يستعد لمغادرة الكرنتينات وحقول الألغام وساحات الانقسامات وغزوات الفرقة والشقاق…

وخصوصاً عندما تكون العاصمة الفرنسيّة هي المعنيّة بهذا التمهيد. فحين يذكر اللبناني باريس لا يمكن أن يغيب عنه ما لهذه العاصمة عند وطن النجوم، وما لبيروت من شأن وتميّز لدى فرنسا. وعلى مرّ السنين، وتعاقب الأجيال والعهود، وتبدُّل الرؤساء والحكومات.

هذه الفرنسا، المفردة في خانة الصداقة الصادقة والنادرة، منهمكة اليوم في استقبال الرئيس الحريري، وفي التأكيد له وللوفد المرافق له ان لا حدود لتأييدها. على كل الصعد. وفي مختلف الحقول.
وبالنسبة الى المخاطر الخارجيّة والتهديدات الاسرائيلية، التي كثيراً ما استغلّت بعض التناقضات والتشنّجات الداخليّة التي لا تخلو من إيحاءات أو دوافع لا تأخذ وضع لبنان الدقيق في الاعتبار.

وتالياً لطمأنة رئيس الحكومة اللبنانيّة الى أن لا شيء يهزُّ القناعات الفرنسية تجاه لبنان، ولا شيء يزحزح تلك العلاقة المميزة جداً، والتي يعود الى الرئيس الشهيد رفيق الحريري الفضل في بلورتها واعادة تفصيلها على مقاس الموزاييك اللبناني، والذي رسّخ جذور علاقة متينة ستبقى صامدة وفاعلة ومتقدمة في مختلف الحقول. وعلى وجه التحديد في عهد الرئيس السابق جاك شيراك.

باختصار باريس لا تحتاج الى شرح يطول لتتفهّم وتعرف وتقرّر وتلبي. وسعد الحريري لا تنقصه البراعة والشجاعة والاحاطة وهو يقدّم للرئيس نيكولا ساركوزي مطالعته الدقيقة والموجزة لــ"الحالة اللبنانيّة"، والحاجات الملحّة التي سيلبيها الرئيس الفرنسي برحابة فرنسيّة مألوفة.

من الطبيعي والبديهي أن يتوقّع لبنان من الزيارة الرسمية الأولى للرئيس الشاب لهذا البلد، الذي لم يتردّد ولم يتأخّر يوماً في تلبية النداء ومدّ يد المساعدة والمسارعة الى استنفار أوروبا والحلفاء وحتى أميركا، إذا ما الداعي دعا. واذا ما دهت لبنان دهياء من داخل ومن خارج.
حتى صار لبنان قاب قوسين أو أدنى من ضفاف السين.

سيسمع الحريري في قصر الأليزيه، كما في أوتيل ماتينيون، كما في الكي دورسيه، كما في كل اجتماعاته ولقاءاته، ما يجعله يعود إلى ست الدنيا وهو أكثر اطمئناناً، وأقوى ثقة، واشد ايماناً بالمقبل من الأيام والتطورات.

Exit mobile version