استجابة بعضها قد تكون خطوة على طريق توطين الفلسطينيين
محاولة لمقايضة المطالب بالسلاح خارج المخيمات؟
عندما تقرر بالاجماع في مؤتمر الحوار الوطني عام 2006 برئاسة الرئيس نبيه بري ازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه في داخلها، أعطيت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة مهلة ستة أشهر كي تعمل على تنفيذ هذا القرار.
وبما أن العلاقات اللبنانية – السورية لم تكن على ما يرام منذ وقوع جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، فان الحكم في سوريا لم يساعد الحكومة اللبنانية على تنفيذ هذا القرار لأن السلاح الفلسطيني خارج المخيمات يخضع للسلطة السورية وخصوصا في منطقة البقاع، وقد اعتبرت أن الموضوع هو لبناني – فلسطيني.
وعندما باشرت حكومة الرئيس السنيورة اتصالاتها بالمنظمات الفلسطينية، تبين لها ان موقف هذه المنظمات ليس واحدا من موضوع السلاح، فطلب تشكيل وفد فلسطيني مشترك للبحث معه في الموضوع، وظل تشكيل هذا الوفد يتعثر بسبب الخلافات السياسية في ما بينها، فضلا عن الخلافات حول تقديم مطالب مشتركة. ومرت مهلة الستة أشهر من دون التوصل الى اتفاق على موضوع ازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، بسبب الانقسامات بين الفلسطينيين وبسبب حرب تموز وما تلاها، فطلب ان تصدر تصريحات عمن يؤيدون البحث في الموضوع تجاوبا مع رغبة الحكومة اللبنانية وما قرره مؤتمر الحوار الوطني في هذا الشأن، وعمن يرفضون ذلك وهم معروفون بقربهم من السلطات السورية التي يهمها ان تظل ممسكة ولو بجزء من الورقة الفلسطينية. وهكذا ظلت قرارات مؤتمر الحوار من دون تنفيذ ما عدا القرار الوحيد المتعلق بتبادل التمثيل الديبلوماسي بين البلدين باعتباره مطلبا مزمنا لم تجد سوريا ضررا في استجابته كسبا لود عربي ودولي واظهارا لحسن النية. وقد حصلت في مقابل ذلك على انفتاح عليها بدأ مع هذه الخطوة وهو آخذ بالاتساع مع وعود باتخاذ خطوات أخرى من أجل تحسين العلاقات مع لبنان كرمى لغير جهة خارجية.
وعندما كلفت الحكومة السفير خليل مكاوي ترؤس اللجنة المكلفة محاورة الوفد الفلسطيني في موضوع السلاح وفي أوضاع المخيمات، قدم له هذا الوفد خلاصة مذكرة الحقوق المدنية والاجتماعية، التي سبق له أن قدمها لمجلس الوزراء عام 1992 وتتضمن الآتي:
1 – حق التنقل: الحصول على وثائق سفر تسهل التنقل من لبنان والعودة اليه.
2 – حق العمل: في انتظار العودة، اعطاء الفلسطينيين حق العمل ومساواتهم بالعمال اللبنانيين في الاجر والاجازة والضمان الاجتماعي والصحي وتعويضات نهاية الخدمة وحق التقاعد وغيره، وذلك في كل المجالات بما فيها المهن الحرة كالطب والهندسة والمحاماة والصحافة.
3 – التعليم والتدريب المهني المجاني.
4 – استصدار قانون عام يجيز اقامة مؤسسات خاصة بهم: حق انشاء بلدية في كل مخيم على غرار المدن والقرى اللبنانية وانشاء نواد وجمعيات.
5 – حق العمل النقابي: استصدار تشريع يجيز حق انشاء نقابات واتحادات خاصة في كل المهن الحرة (نقابات المحامين الفلسطينيين والمهندسين والاطباء والصيادلة واتحاد عمال، وحق الانتماء الى النقابات والاتحادات اللبنانية القائمة).
6 – إعمار المخيمات المدمرة كليا: النبطية، تل الزعتر، جسر الباشا وحاليا نهر البارد، واستكمال ترميم مخيمات الرشيدية، برج البراجنة، شاتيلا، ضبية، وتوسيع نطاق هذه المخيمات ومساهمة الحكومة في اعمارها وفتح باب التبرع لأجل ذلك.
7 – المهجرون: معاملة المهجرين الفلسطينيين كالمهجرين اللبنانيين وتمكينهم من عودتهم الى مخيماتهم المدمرة بعد اعادة اعمارها وترميمها.
8 – الحريات الديموقراطية: الحق في حرية التعبير اسوة باللبنانيين بما فيه الاعلام المرئي والمسموع والمكتوب (تلفزيون، راديو، صحف)، والحق في الممارسة السياسية أسوة باللبنانيين (أحزاب، تنظيمات، تظاهرات)، واصدار عفو عام عن الفلسطينيين أسوة باللبنانيين، وحفظ قيد الفلسطيني وحقه بالعودة الى لبنان لمن يحصل على جنسية أخرى (…).
وقد وقع هذه المذكرة عن الوفد الفلسطيني المشترك صلاح صلاح وفضل شرورو.
هذه المطالب وعدت الحكومة بأن تأخذ ببعضها وتترك البعض الآخر لانها تحتاج الى تعديل قوانين في مجلس الوزراء وفي مجلس النواب، فضلا عن ان الأخذ بها يشكل في نظر البعض اندماجا فلسطينيا بالمجتمع اللبناني وتوطينا عمليا وواقعيا لهم ولو على مراحل، وهذا مرفوض من جميع اللبنانيين، وقد تم تدوين هذا الرفض في مقدمة الدستور (البند ط) ونصه: "أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الاقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين". فاذا حصل التوطين تحت أي شكل من الاشكال وكأمر واقع مفروض وإن مرفوضا، فمعنى ذلك ان لبنان يصبح معرضا لخطر التجزئة والتقسيم.
وخلال الزيارة الاخيرة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الى بيروت قبل مدة، تركز حديث المسؤولين اللبنانيين معه على الوضع في المخيمات ووجوب عدم تحويلها بؤرا أمنية، وقد أكد الرئيس الفلسطيني في تصريح له "أننا كسلطة فلسطينية نضع أنفسنا في تصرف الحكومة اللبنانية، ونتمنى ألا ينعكس الخلاف بين الفلسطينيين على الفلسطينيين في أي بلد، ونحن مؤمنون بأن لا بديل من عملية السلام إلا السلام، وسنبقى نقاتل سياسيا من أجل السلام".
وفهم في حينه ان السلطة الفلسطينية مستعدة لتنظيم السلاح داخل المخيمات لأن لا سلطة لها على السلاح خارجها، وهو تحت سيطرة قوى فلسطينية معارضة تتمثل بـ"القيادة العامة" و"فتح – الانتفاضة"، وقد تأكد ذلك من تصريحات أمين سر "فتح – الانتفاضة" العقيد أبو موسى الاخيرة وهي تصريحات يتحدى بها السلطة اللبنانية ولا يستطيع أن يدلي بها في غير لبنان… وكأنه يريد عبرها الدخول مع السلطة اللبنانية في حوار حول السلاح الفلسطيني خارج المخيمات لأن السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس لا سلطة لها عليه… وصودف صدور هذه التصريحات لمناسبة انعقاد مؤتمر "دعم الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين في لبنان" الذي دعا اليه الحزب التقدمي الاشتراكي وشرح فيه المتكلمون الواقع الفلسطيني الاليم في المخيمات، وخرج بتوصيات منها: السعي الى تعديل القانون بحيث يحق للفلسطينيين التملك، والى تعديل قانون العمل بحيث يعفى الفلسطيني من شرطي المعاملة بالمثل واجازة العمل واستثناء المرأة اللبنانية المتزوجة من فلسطيني من حق اعطاء الجنسية لأولادها.
والسؤال المطروح هو: هل ترمي تصريحات العقيد أبو موسى الى الدخول في محادثات مع السلطة اللبنانية حول السلاح خارج المخيمات، فيكون ثمن ازالته تحقيق المطالب الواردة في المذكرة المشار اليها آنفا وجعل سوريا مشاركة في البحث فيها، فلا يبقى هذا السلاح عندئذ كما يصرح البعض تبريرا لبقائه من أجل ضمان حق العودة أو من أجل الدفاع والتصدي لأي عدوان اسرائيلي، وهل يتوافق اللبنانيون على استجابة مطالب اللاجئين الفلسطينيين، وهي مطالب يشكل بعضها في نظر المعترضين خطوة على طريق التوطين، فيكون فلسطينيو الخارج يخوضون من حيث يدرون أو لا يدرون معركة التوطين في لبنان وفلسطينيو الداخل معركة المستوطنات في فلسطين المحتلة؟