لو لم تكن هناك "ورقة تين" مسماة "مقررات الحوار الوطني" يمكن الاستعانة بها عند اشتداد الحشرة والاحراج والانكشاف، لتمكن "أبو موسى" العائد من بطون ذاكرة الحرب الفلسطينية اللبنانية والنافض الغبار عن بقايا "موجوداتها" وقواعدها في أنحاء شتى من لبنان من ان ينجح نجاحاً تاماً في تحويل عرضه المسرحي الهابط والرديء الى مادة توظيف سياسية "فوق العادة".
ولعل الأغرب في هذا العرض على سخافته، انه تحوّل اختباراً بائساً في حصيلته أيضاً لكثير من مهابة الدولة ومعها أولئك الذين يلقنون اللبنانيين قبل الأكل وبعده وعلى مدار الأيام معزوفة رتيبة مملة وفارغة من اي محتوى، بل تتضح دجلاً وازدواجية، في مناهضة التوطين ورفضه.
حلّ هذا الوافد من رمزيات الانتهاك المتواصل للسيادة اللبنانية بقواعد عسكرية فلسطينية هي اشبه بخردة عتيقة لا وظيفة لها سوى توفير "أوراق" تحاكي الانتهاكات الاسرائيلية نفسها بحجة الصراع القومي التاريخي مع الدولة العدوة، فاقام الدنيا وأقعدها. وكاد يشغل لبنان عن كل شؤونه وقضاياه وأزماته.
لم يكن الأمر ليأخذ دقيقة في دولة تتمتع بالحدود الدنيا البديهية من امساكها بزمام سلطتها وهيبتها واحترامها لسيادتها، فكان الأمر ان رفع الأمر الجلل الى مستوى لا يحلم به لا هذا الوافد بتاريخه "الناصع" ولا من تصور كبار القوم من السياسيين عندنا بانه وراء ايفاده، فصارت المسألة ضرب اخماس بأسداس عما اذا كانت دمشق، المضيفة للفصائل العشر والموظفة لها عبر لبنان وفيه وسواه، قد ارسلته بمهمة متجددة واخرجته من بواطن النسيان لدوافع وغايات "سامية". رفع الأمر الى مجلس الوزراء للرد عليه "بأدبيات" وفاقية مهذبة لأن "العالمين" بالأمر قدروا انه لو صحت توجساتهم ان دمشق هي المرسل فالأفضل ان تكون الاجابة اجماعية تتظلل لغة الحوار. ولكن الأهم من ذلك ان ردود الفعل على المسرحية الرديئة بدت مقتصرة على جانب أحادي مع بعض المتفلتين من لدن المعارضة. لم يجهر رؤوس المعارضة علناً بأي موقف جازم صارم بوجوب ما يجب ان يعامل به منتهك سافر للسيادة، وحتى لقرار حواري، وحتى أيضاً للأدبيات الفلسطينية الغالبة حيال لبنان منذ فترة. لذا هرع مجلس الوزراء الى التذكير بقرار نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وكأنه في حاجة الى "لزوم ما لا يلزم" للتغطية على ما كان يلزم فعلاً لفرض سلطته بازاء حركة لا توصف بأقل من تحدي هذه السلطة.
أما الصادحون برفض التوطين فلم يقنعوا أحداً بعد بفضيلة السكوت المسبق عن "ابو موسى"، حتى لو قيل ان بعضهم استاء من استعراضه. كما لم يقنعوا أحداً بأي طريقة يمكن منع التوطين عبرها ما لم تنتزع بقرار لبناني صرف "قواعد" أبو موسى وسواه وعدم انتظار اي مفاوضة لا معه ولا مع سواه ما دام الاجماع اللبناني محققاً على ان هذه القواعد الرابضة على مشاريع مشبوهة والمتحدية سلطة الاجماع تتيح لابو موسى في اي لحظة ان يقتحم المشهد اللبناني ويعبث به. فاي تسهيل للتوطين أكبر من هذا عبر ترك ابو موسى يتزعم حين يشاء الحركة المعاكسة للاجماع ويأتي الرد عليه بأقل من اجراء يوازي تنمره على الشعور العام اللبناني؟ وهل كان لبنان الاجماع يخشى ان يذهب به قرار صغير كهذا الى "مزالق" إثبات الكرامة والسيادة في ما هو أبعد من عرض مسرحي رديء؟