سليمان والحريري والاستقلاليون مصادر قوة لبنان
التقارب بين بيروت ودمشق اختبار لجدية النيّات السورية
"الدول العربية والاجنبية البارزة المعنية بمصير لبنان تتصرف على أساس ان الاستقلاليين يشكلون مع الرئيس ميشال سليمان ومع سعد الحريري رئيس حكومة الوحدة الوطنية مصادر القوة الداخلية الحقيقية الثلاثة لهذا البلد، وهي تدعم عملية الحوار والتقارب بين لبنان وسوريا التي يقودها الزعيمان الاستقلاليان سليمان والحريري من منطلق تمسكها بالاستقلال اللبناني ولأنها تلقت تأكيدات من الرئيس بشار الاسد أنه يريد طي صفحة الماضي والتعامل بايجابية مع هذا البلد كدولة مستقلة ذات سيادة وبانفتاح مع مطالب اللبنانيين المشروعة. وترى هذه الدول أن هذا التقارب يشكل الاختبار الحقيقي الجدي لمدى استعداد النظام السوري للتخلي نهائيا عن أوهام استعادة لبنان ووضعه تحت سيطرته مجددا ولذلك تراقب عن قرب مسار الاوضاع بين هذين البلدين وهي على اقتناع بأن تعزيز استقلال لبنان ليس عملا عدائيا موجها ضد سوريا ومصالحها بل ان التعايش الودي بين الاستقلالين السوري واللبناني هو الذي يزيل حال العداء والمواجهة ويحقق المصالحة بين البلدين على أسس سليمة وصحيحة". هذا ما قالته لنا مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس. وأوضحت أن قوة لبنان الداخلية تستند الى الركائز الثلاث الآتية:
أولاً – وجود حكومة الحريري التي تعكس المطالب الاساسية للاستقلاليين واستعداد الاقلية للتعاون مع فريق 14 آذار وحلفائه نتيجة ثلاثة عوامل هي: حاجة النظام السوري الى ارضاء السعودية وأميركا وفرنسا ودول بارزة أخرى، وحاجة النظام الايراني الى تهدئة الاوضاع في الساحة اللبنانية في انتظار نتائج مفاوضاته مع الدول الكبرى، ووجود ضغط شديد من القاعدة الشعبية لفريق 8 آذار التي ترفض عموما الانجرار مجددا الى مواجهات داخلية يخسر فيها الجميع وخصوصا من يقوم بها.
ثانياً – وجود الرئيس سليمان الذي نجح في أن يتمسك بتوجهاته ومواقف الاستقلالية الواضحة سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي وان يقيم في الوقت نفسه علاقات جيدة مع نظام الاسد وحلفائه، فأعطى بذلك رئاسة الجمهورية دورا بارزا متميزا مختلفا جذريا عن دورها خلال سنوات الهيمنة السورية على لبنان.
ثالثاً – وجود الاستقلاليين الممثلين في فريق 14 آذار وحلفائه والمدعومين من الغالبية الكبرى من اللبنانيين والذين يحتاج اليهم لبنان لأنهم يشكلون درعه الداخلية الحامية لاستقلاله وسيادته وسلمه الاهلي وعلاقاته العربية والدولية الواسعة.
وأفادت المصادر الأوروبية المطلعة ان الدول البارزة وعلى رأسها أميركا وفرنسا والسعودية ومصر تدعم في وقت واحد هذه الركائز الثلاث لانها ترى انها تتكامل وتؤمن قاعدة صلبة للاستقرار الداخلي الضروري لتحسين أوضاع البلد وتطويرها. وشددت على ان الدعم الدولي والعربي للقوى الاستقلالية سيستمر ويتواصل بقطع النظر عما يريده نظام الاسد، لأن هذه القوى تؤمن شرعية لبنانية للحماية الدولية والعربية لهذا البلد، ولأنها قوى بناءة ومعتدلة تعمل على تحقيق مصالح اللبنانيين أولا، ولأنها منعت انزلاق البلد نحو الحرب الاهلية. وترى هذه الدول أن مصدر ضعف لبنان لم يعد خضوعه للهيمنة السورية التي زالت عنه بل صار يتمثل في سلاح "حزب الله" الخارج عن سلطة الدولة الشرعية والذي يشكل تهديدا داخليا وخارجيا للبنانيين، ذلك أن سلاح "حزب الله" في رأيها يخدم المصالح السورية – الايرانية في الدرجة الاولى ومصالح حامليه في الدرجة الثانية، ويمكن ان يجعل لبنان جزءا أساسيا من المواجهة الايرانية – الدولية القابلة للتحول مواجهة عسكرية اذا أصرت الجمهورية الاسلامية على مواصلة نشاطاتها ومساعيها لانتاج السلاح النووي، فتقع حينذاك الحرب بين اسرائيل ولبنان لأن "حزب الله" سيدافع عن ايران ويتضامن معها، ويدفع اللبنانيون ثمنا باهظا لقضية ليست قضيتيهم وليست لها علاقة بحقوقهم ومطالبهم المشروعة.
معركة فريق 8 آذار
ورأت المصادر ان فريق 8 آذار يقوم حاليا بدور مزدوج: فهو، من جهة، يريد المساهمة في تأمين نجاح مهمة حكومة الحريري لأن هذا مطلب أساسي للبنانيين، لكنه من جهة أخرى يجد نفسه محكوما بارتباطاته الاقليمية وبحساباته الذاتية الداخلية التي تتطلب منه أن يواصل معركته السياسية – الاعلامية ضد القوى الاستقلالية لمحاولة تقليص نفوذها وتأثيرها تحت شعار ان الاقلية تمكنت من الغاء نتائج انتخابات السابع من حزيران على أساس ان الوضع لم يتبدل جذريا اثر الانتخابات وان الغالبية تقبلت عددا من شروط المعارضة لتتمكن من تشكيل الحكومة. وأجرت تقويما وتحليلا لمعركة الاقلية الجديدة هذه ضد الغالبية فسجلت الملاحظات الآتية:
أولاً – معركة محاولة "الغاء" نتائج الانتخابات التي يخوضها فريق 8 آذار هي استمرار "سلمي" للمحاولات التي قام بها نظام الاسد، مباشرة أو عبر حلفائه، لانهاء فريق 14 آذار لتقليص دوره ونفوذه في الساحة اللبنانية. لكن المحاولات السورية فشلت.
ثانياً – هذه المعركة الجديدة تعكس مشاعر النقمة العارمة المكبوتة التي سيطرت على فريق 8 آذار اثر هزيمته الانتخابية، فأخذ يتصرف كأنه يريد "معاقبة" المنتصرين والناخبين من خلال محاولة اقناعهم بأن التفويض الشعبي ليس كافيا لتمكين الفائزين من ادارة شؤون لبنان وان الانتخابات تاليا ليست ذات قيمة أساسية، وهذا يتناقض مع ما كان هذا الفريق يردده قبل صدور نتائج الانتخابات.
ثالثاً – هذه المعركة تتناقض مع الممارسة الديموقراطية، ذلك ان فريق 8 آذار يتصرف كأنه يحدد وحده المصلحة الوطنية ويعكس وحده ارادة الشعب. وهذه المعركة تنتهك الدستور الذي ينص، من جهة، على ان لبنان "جمهورية ديموقراطية برلمانية" ما يتطلب احترام نتائج الانتخابات، وينص من جهة ثانية على ان "الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية"، وهو ما يتطلب بالضرورة احترام ارادة الناخبين، ومحاولة "الغاء" نتائج الانتخابات تعد انقلابا على نص الدستور وروحه.
رابعاً – هذه المعركة تظهر ان فريق 8 آذار يتصرف على أساس الاقتناع بأنه هو الاقوى وهو المنتصر أيا يكن قرار الناخبين وان "الغلبة للسلاح"، وهذا الاقتناع خاطئ إذ أن فريق 8 آذار عاجز عن حسم الامور عسكريا او سياسيا او شعبيا لمصلحته.
خامساً – هذه المعركة تشبه الى حد كبير تلك التي خاضها فريق 8 آذار بعدما حصل على الثلث المعطل في الحكومة المنبثقة من اتفاق الدوحة، فركز آنذاك على أنه حقق انتصارا سياسيا كبيرا وقلب مسار الاوضاع لمصلحته. لكن ما حصل فعلا هو أن فريق 8 آذار لم يستطع اجراء أي تغييرات في الاوضاع لمصلحته او لمصلحة المحور السوري – الايراني، ثم خسر الانتخابات التي فاز فيها الاستقلاليون. وكما قال لنا ديبلوماسي أوروبي معني بالملف اللبناني: "ليس ممكنا واقعيا وسياسيا ودستوريا وشعبيا الغاء نتائج الانتخابات بقرار يتخذه الفريق الذي خسر هذه الانتخابات. وتركيز فريق 8 آذار على ان تمكنه من "الغاء" نتائج الانتخابات يعكس ضعف هذا الفريق وخيبة أمله من اقتراع الناخبين. ومعركة الاقلية الجديدة هذه خاسرة سياسيا وشعبيا وهي لن تضعف الغالبية ولن تبدل واقعها ولن تقلص قدراتها، لأن الغالبية تستمد قوتها وشرعيتها ووجودها من الشعب اللبناني. وفريق 8 آذار ليس هو الذي يحدد طبيعة موازين القوى السياسية والشعبية في هذا البلد بقرار منه".
قوة الحركة الاستقلالية
وذكرت المصادر الاوروبية ان مجموعة عوامل مهمة واساسية تجعل فريق 14 آذار وحلفاءه حركة قوية ومؤثرة في الساحة اللبنانية وفي صنع القرارات وهو ما ساعدها على الصمود امام حملة الاغتيالات ومحاولات الالغاء المختلفة التي تعرضت لها منذ العام 2005. وهذه العوامل هي الآتية:
أولاً – فريق 14 آذار هو أول حركة سياسية وشعبية وديموقراطية وسلمية متنوعة في تاريخ لبنان الحديث تجسد، في تركيبتها وسياساتها وتوجهاتها وأعمالها، الاستقلال والسيادة بعد سنوات طويلة من الهيمنة السورية على البلد، وتنجح في ايجاد رأي عام استقلالي – سيادي يشمل مختلف الطوائف وليس طوائف معينة فحسب كما كان الحال في مراحل سابقة. وهذا الالتفاف الشعبي الاسلامي – المسيحي الواسع حول فريق 14 آذار سيمنح هذا الفريق قوة سياسية وشعبية تؤمن له الحماية والاستمرارية في مواجهة الخطط المختلفة التي تستهدفه. لذلك حين يبتعد رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط عن بعض مواقف 14 آذار ويظل ضمن الغالبية فانه يبقى جزءا أساسيا من الحركة الاستقلالية الغنية بتنوعها ويلتقي مع قادة 14 آذار عند الثوابت والقيم الاساسية. وهذا هو المهم.
ثانياً – فريق 14 آذار أثبت ان من الممكن مواجهة القوة العسكرية – الامنية الهائلة بحركة سياسية – شعبية سلمية وتسجيل انتصارات حقيقية ذات دلالة تاريخية في هذه المواجهة أبرزها: اخراج القوات السورية سلميا من لبنان، رفض الرضوخ لمسلسل الاغتيالات وتأمين تشكيل لجنة تحقيق دولية ومحكمة خاصة لمعاقبة القتلة وهو ما لم يحصل في تاريخ الشرق الاوسط، ضمان حماية دولية وعربية حقيقية للبنان المستقل، انهاء عملية تسليم مصير لبنان الى النظام السوري، التغلب على القوة المسلحة ومنطق الترهيب والترويع في صناديق الاقتراع. ويريد فريق 14 آذار الانطلاق من انتصاراته هذه ليس من اجل تكريس حال العداء والمواجهة مع سوريا بل من أجل دفع النظام السوري الى المصالحة مع لبنان المستقل واقامة علاقات طبيعية معه على أساس المساواة والندية واحترامه كلبلد مستقل وعلى أساس الامتناع عن اعتماد سياسة الاملاءات والتسلط في التعامل معه، ويلقى هذا التوجه تأييدا واسعا من اللبنانيين ودعما من سائر الدول المعنية بمصير لبنان.
ثالثاً – فريق 14 آذار يعكس بوضوح تطلعات الغالبية العظمى من اللبنانيين وآمالهم من خلال تمسكه بمشروع الدولة ذات المؤسسات الشرعية القوية وبالنظام الديموقراطي التعددي في مقابل التفاف فريق 8 آذار حول مشروع دولة "حزب الله" المسلحة المرتبطة بالمحور السوري – الايراني ومخططاته. ويترافق ذلك مع تمسك فريق 14 آذار بلبنان الوطن، وهو ما يريده اللبنانيون في غالبيتهم العظمى، وليس التمسك بلبنان الساحة المفتوحة على المواجهة المستمرة مع اسرائيل ودول أخرى، او التمسك بلبنان كورقة مساومة يستخدمها السوريون والايرانيون لمحاولة تعزيز مواقعهم التفاوضية مع الدول الكبرى.
رابعاً – فريق 14 آذار يشكل في نظر غالبية واسعة من اللبنانيين الخيار السلمي الدستوري الديموقراطي في التعامل مع مشاكل لبنان وتحدياته وأزماته، في مقابل فريق 8 آذار الذي يرفع سلاح المقاومة هوية أساسية له، مما يجعل البلد في حال مواجهة مستمرة وهو ما يثير مخاوف اللبنانيين وقلقهم المشروع. وهذا الواقع يعزز الدعم الشعبي لفريق 14 آذار الذي انتصر في معارك عدة على فريق 8 آذار المدعوم بسلاح "حزب الله".
خامساً – مشروع فريق 14 آذار الاقليمي – الدولي المستند الى الانفتاح الواسع على المجتمع الدولي والمجموعة العربية، وخصوصا على الدول البارزة والمؤثرة، هو مشروع داعم لاستقلال لبنان وسيادته وللدولة ومؤسساتها الشرعية ولتطلعات اللبنانيين المشروعة الى حياة طبيعية آمنة ومستقرة يعطي فيها الحكم الاولوية لتحسين الاوضاع المعيشية والاجتماعية والاقتصادية والامنية والتربوية والتنموية للمواطنين. ولذلك يلقى هذا المشروع دعما واسعا من الغالبية الكبرى من اللبنانيين. أما مشروع فريق 8 آذار الاقليمي – الدولي فهو يرتكز على تحقيق الارتباط الوثيق بالمحور السوري – الايراني مما يجعل لبنان قاعدة انطلاق لعمليات ونشاطات تتناقض مع مصالح اللبنانيين الحيوية.
سادساً – ضمن هذا السياق تشكل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري انتصارا لمنطق القوى الاستقلالية ولاستراتيجيتها وهزيمة لمعادلة "الغلبة للسلاح" لأنها حكومة السلم الاهلي والبناء الداخلي في الدرجة الاولى. وهذه الحكومة تجسد في تركيبتها وتوجهاتها خيار التحاور والتوافق الوطني على ادارة شؤون البلد وهو ما يفترض به ان يعزز الدولة ومؤسساتها الشرعية وأن يمنع أو يلجم اللجوء الى العنف والسلاح لمعالجة الخلافات وان يطمئن اللبنانيين ويدعم المسيرة الاستقلالية وان يركز الاهتمام فعلا على معالجة قضايا الناس وهمومهم ومشاكلهم الحقيقية بدل محاولة اعطاء لبنان دورا قتاليا أكبر بكثير من حجمه وطاقاته وأن يستخدم كساحة بديلة من ساحات اخرى.
ووفقا لما قاله لنا ديبلوماسي أوروبي معني بالملف اللبناني: "إن مصلحة لبنان الحقيقية تتطلب التلاقي بين فريق 8 آذار والقوى الاستقلالية ليس على المشاركة في حكومة وحدة وطنية فحسب بل على التفاهم على صيغة موحدة لدعم لبنان المستقل ولبناء دولته ومؤسساتها الشرعية وللتعامل كفريق واحد مع سوريا والدول الاخرى من أجل الحفاظ كأولوية على المصالح الحيوية للبنانيين ولحصر قرار الحرب والسلم في أيدي السلطة الشرعية وحدها. ومثل هذا الانجاز الوطني صعب ومعقد لأن تحقيقه يتطلب من فريق 8 آذار ان ينقلب على ذاته وعلى سياساته الحالية وان يتوقف عن خوض معارك غير ذات جدوى مع الغالبية. لكن هذا القرار المطلوب من فريق 8 آذار ضروري وحيوي ومكمل لقرار فريق 14 آذار الذي قضى بالتحرر من الهيمنية السورية مما أدى الى انطلاق مسيرة الاستقلال الثاني للبنان".