رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
ومن لم يصانع في أمور كثيرة
يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
زهير بن أبي سلمى
البراغماتية:
أصل الكلمة يوناني "بروغما" وتعني "عمل" وقد تكون اللفظة الأكثر ملاءمة لتفسير البراغماتية هي "الفلسفة العملانية"، وهي فلسفة نشأت في الولايات المتحدة الأميركية في أواخر القرن التاسع عشر وكان أول روادها الفيلسوف تشارلز بيرس (1839 1914) الذي مهد لها من خلال مقال بعنوان "كيف نجعل أفكارنا واضحة؟" ذكر فيه بأنه لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا في موضوع ما، فإننا لا نحتاج إلا الى اعتبار ما قد يترتب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي قد يتضمنها الموضوع. على هذا الأساس، فإن البراغماتية تتميز بالإصرار على النتائج والمنفعة والعملية كمكونات أساسية للحقيقة.
لذلك، فإن هذه الفلسفة تعارض المبادئ الإنسانية والعقائد والأفكار على أساس أنها لا يمكن أن تمثل الوقائع العملية بدقة، فوفقاً للبراغماتية فإن النظريات والمعلومات لا تصبح مهمة إلا بقدر قيمتها العملية في الصراع الجدلي بين الكائنات الذكية والبيئة المحيطة بها.
وقد صرح وليم جيمس (1842 1910) بأن المنفعة العملية هي المقياس الوحيد لصحة النظرية، في حين أن الفيلسوف الأميركي جون ديوي (1859 1952) صرح بأن "العقل ليس فقط أداة للمعرفة بل هو أداة لتطور الحياة وتنميتها، فليست المعرفة المجردة من وظيفة العقل بل وظيفته هي خدمة الحياة". فبالنسبة لهؤلاء، تمثل البراغماتية "الهواء الطلق والإمكانيات المفتوحة في مواجهة الموثوقية التعسفية واليقينية الجازمة والاصطناعية وادعاء النهائية في الحقيقة التي تغلق مجال البحث والاجتهاد". على هذا الأساس فإنه من غير الجائز تحديد المعتقدات أو التمسك بها إلا بناء على النتائج العملية المترتبة على الإيمان بهذه المعتقدات.
هذه باختصار المبادئ المؤسسة للبراغماتية مع العلم أن هناك اليوم مدارس متجددة لهذه الفلسفة ويرجح اليوم أن معظم الحكام في العالم، وحتى من يدعي العقائدية منهم، يتبعون نوعاً من الفلسفة البراغماتية في إدارة سياساتهم.
الإنعطافات
شبه لي أحد الأصدقاء الوضع في سوريا بمن يقود سيارة منذ سنة 1978 خدمته في زمن الشدة ولا تزال تعمل على الرغم من قدمها وكثرة أعطالها، فيأتي أحدهم ليعده بسيارة جديدة، ولكنها لا تزال في الشحن، وغير معروف حتى تصل الى المرفأ، ومتى توضع في السير. من المنطقي عندها أن يتمسك بالسيارة القديمة ولا يبيعها قبل أن يحصل على السيارة الجديدة، وربما سيقودها لفترة من الزمن على سبيل التجربة قبل أن يأخذ قراراته النهائية.
لقد أصبح واضحاً على مدى السنتين الماضيتين، خصوصاً منذ تفاقم القضية النووية الإيرانية، بأن الدول الكبرى وضعت مسألة فصل سوريا عن إيران في المعادلة الاستراتيجية في أولويات أهدافها، وقد كانت فرنسا السباقة الى اتباع هذه السياسة، خصوصاً بعد انتهاء عهد الرئيس جاك شيراك. وربما كان على هذه السياسة الانتظار الى حين انتهاء عهد الرئيس جورج بوش لتأخذ حجمها على المستوى الدولي.
بالمحصلة، فإن سلة من التقديمات هي في الوقت الحاضر معروضة على الحكم في سوريا وعلى مستويات متعددة. فمن ناحية، هناك وعود واضحة بتحسن العلاقات الأميركية السورية من خلال احتمال عودة السفير، والزيارات المتعددة للمبعوثين بالإضافة الى رفع جزئي للحظر الاقتصادي. هذا بالإضافة الى وعود مستقبلية بتشجيع التفاوض مع إسرائيل حول مسألة الجولان.
على المستوى الأوروبي، تتولى فرنسا الدفاع والترويج لسوريا مما سمح بانفتاح أوروبي أوسع نحوها وإلى قبول مبدأ الشراكة الاقتصادية، وهو مطلب سوري مزمن، مع العلم أن سوريا استمهلت الموافقة على هذه الشراكة بسبب ملف حقوق الإنسان.
على المستوى الإقليمي تولت تركيا إعطاء المدى الاستراتيجي البديل من خلال الاتفاقات المتعددة الأوجه، ومن خلال التعاون العسكري المتمثل بالمناورات المقرر إجراؤها مع سوريا. أما السعودية فقد تولت مسؤولية كاسحة الألغام على المستوى العربي، ومن الممكن اليوم ملاحظة تحسن العلاقات السورية الأردنية، وفي الوقت الذي شكلت زيارة الرئيس سعد الحريري الى سوريا عنصر راحة كبرى لطمأنة الحكم في سوريا.
التحديات الداخلية
ولكن تحدياً آخر قد يكون يواجه الحكم في سوريا نتيجة للانعطافة المرجحة وهو موقف مواقع القوى التي نشأت على خلفية العلاقات الطويلة والوثيقة التي جمعت النظام الثوري في إيران مع سوريا، والتي أدت الى نشوء علاقات دقيقة لإيران الإسلامية مع مختلف المواقع الوظيفية والاجتماعية في سوريا. هذا الموقع قد يدعو القيادة في سوريا الى التروي في اتخاذ أي مواقف توحي بانعطافات جذرية في الموقف من الحلف الطويل بين إيران وسوريا. في رأيي أن سوريا تحتاج الى الاقتناع بأن مضار هذا الحلف أصبحت أكثر من منافعه كي تقدم على خطوة من هذا النوع وهذا ما قد تأتي به الأحداث أو القرارات التي تحملها الأشهر القليلة المقبلة.