قرار الامانة العامة لتكتل 14 اذار بإحياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط، كان قراراً شجاعاً يدلّ على مدى تجذّر اهداف ومعاني حركة 14 آذار 2005 في نفوس جمهور وقادة هذه الحركة المفصلية في تاريخ لبنان، التي سيكون لها مكان مميّز في بطون الكتب التي سوف تحكي يوماً حكاية هذا اليوم العظيم وما سبقه ولحقه من محطات اساسية في سيرة لبنان الحديثة، واطلاقي وصف الشجاع على هذا القرار لا يأتي من العدم، بل هو يعكس في هذه الفترة الصعبة من مسيرة 14 آذار، بسبب ما اصابها من هنات وسقطات، استمرار اضطرام هذا الشعور لدى اهلها بأن حركة 14 آذار لم تسقط ولم تنته، وجمهورها العريض باقٍ، واهدافها ما زالت تنير دربها، ودماء شهدائها امانة في اعناق هذا الجمهور، ومن خرج منها بالجسد، باق فيها، بتعلّق انصاره برمزية هذا اليوم المجيد، وما شحنه في عروقهم من شجاعة ووطنية وتمسّك بالكرامة والسيادة والعنفوان، دون ان ننسى ان قرار احياء ذكرى 14 شباط، سيضع جمهور 14 آذار امام تجربة صعبة وحيرة مؤلمة، فهو من جهة يريد تكريم الرئيس الشهيد رفيق الحريري في يوم اغتياله، ومتشوّق ليعبّر له وللعالم عن استمراره في خط الوفاء للقيم التي استشهد في سبيلها العشرات من القياديين والمواطنين، وفي الوقت ذاته تتنازعه رغبة لديه بتوجيه رسالة الى الذين سقطوا في منتصف الطريق وخرجوا من 14 آذار، والى الذين وصلوا على اكتاف جمهور 14 آذار وشربوا من بئره ويرمونه بحجارتهم بين الحين والاخر، دون ان يقرر بعد كيف تكون هذه الرسالة، هل تكون بالمقاطعة، او بالحضور الكثيف وتوجيه الانتقادات الى من اسقط بسقوطه جميع الشعارات السيادية التي ميّزت يوم 14 آذار، وجعلت البعض يحتفل بانهيار 14 آذار، وباقامة مراسم دفنها مع مطلع كل شمس.
* * * *
لا يخفى على احد ان محاولات زعزعة 14 اذار قائمة ومستمرة، وهي تترجم احياناً باطلاق شائعات، واحياناً أخرى بفبركة اخبار لا اساس لها من الصحة، امّا الاخطر في هذه المحاولات، فهي التركيز الدائم على فك التحالف القائم بين تيار المستقبل بزعامة رئيس الحكومة سعد الحريري وبين الفريق المسيحي في 14 آذار، وخصوصاً حزب القوات اللبنانية لما يمثّل من قوة وانتشار على الصعيد الشعبي، ولا بأس بالنسبة الى الساعين لتحقيق هذه النتيجة من افساد العلاقة الطيّبة القائمة بين تيار المستقبل وحزب الكتائب، وفي حسابات هؤلاء انه مع خروج جنبلاط «بطبل وزمر» من 14 آذار وما تسبب به من اضرار، سيكون فكّ التحالف بين مسيحيي 14 آذار واكبر قوة سياسية وشعبية سنّية، بمثابة الضربة القاضية لهذا التكتل الذي «عمّر اكثر من اللزوم» حسب قول قيادي مسيحي في صفوف 8 آذار، وفي المعلومات انه كانت هناك محاولة جدية «لفرط» الامانة العامة لـ 14اذار عن طريق محاصرتها بسحب بعض المشاركين في اجتماعاتها الاسبوعية، وبالتضييق عليها مادياً، لدفعها الى اغلاق مكاتبها ووقف نشاطها، حتى ان هناك شائعة سرت تقول ان جهات في الاقلية ابدت استعدادها للمشاركة شعبياً وليس رسمياً في ذكرى الرابع عشر من شباط، وفي اي مناسبة اخرى اذا تم الاعلان عن وقف نشاط الامانة العامة لحركة 14 آذار.
* * * *
في مطلق الاحوال، لم يعد يفصلنا عن 14 شباط سوى هامش زمني قصير لا يتجاوز الخمسة وعشرين يوماً، ولا شك انه في ذلك اليوم، ستسقط حسابات، او تنتصر رهانات، وفي الحالتين لن تكون نهاية العالم او نهاية لبنان في 14 شباط 2010، فاذا عادت 14 آذار الى تماسكها وتصالحت مع جمهورها، فان لبنان على الارجح سوف يكون افضل، لا لأن قيادات 14 اذار انتصرت، بل لان مفاهيم السيادة والحرية والاستقلال وقيام الدولة هي التي تكون تلقت جرعة دعم كبيرة، امّا اذا سقطت في التجربة والامتحان، ولفظ تحالفها انفاسه الاخيرة، فان لبنان حتماً سيهتز ولكنه لن يقع، لأن الفريق الذي عاش حياته، مذ كان لبنان، مناضلاً ومقاتلاً ومقاوماً من اجل كرامته وحريته، سيعيد الى الوضع السياسي والشعبي الداخلي، توازنه المطلوب، بفضل استمرار تمسكه بالثوابت اياها التي عمرها من عمر هذا الوطن.
هل يسجّل 14 شباط 2010 محطة مفصلية في تاريخ لبنان، كما سجّلها 14 شباط 2005؟
المثل البريطاني يقول: انتظر وراقب.