كأنه النداء الأخير قبل إقلاع طائرة ، هكذا تعامل حشد الناس في العالمين الإسلامي والمسيحي ، مع الصرخة التي أطلقها أمس الأول قاضي قضاة فلسطين الشيخ تيسير التميمي ، والأب عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس؛ محذران في نداء أخير ـ لمن به صمم ـ من انهيار المسجد الأقصى وكنيسة القيامة؛ نتيجة الحفريات التي يقوم بها الكيان الصهيوني تحت أرضية المسجد وعلى مسافات قريبة منه.
وببساطة ، ولنبدأ بالكلام من آخره : لن تكون إسرائيل دولة "يهوديّة" كما تسعى لإعلان نفسها إلا في غياب تام لأي معلم أو أثر يدل على المسيحية أو على الإسلام ، لذا العمل جارٍ على قدم وساق لتحويل المسجد الأقصى وكنيسة القيامة إلى معلمين يهوديين ،والوضع في المدينة المقدسة بات في غاية الخطورة فبحسب ما كشف قاضي قضاة فلسطين والأب عطا الله حنّا " سلطات الاحتلال تقوم حاليًّا بحفريات جديدة من قمة جبل الزيتون حتى كنيسة الجثمانية، وتقوم بشق طريق مدرجات لربط المستوطنات والبؤر الاستيطانية المقامة على جبل الزيتون، وحفريات أخرى تجري في منطقة باب العامود، وجرى إبلاغ التجار المقدسيين بها؛ بذريعة أنها حفريات لشبكات المجاري، وهي حقيقة أنفاق تستهدف المسجد الأقصى المبارك، وطالب الرجلان مجلس الأمن الدولي تطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على الكيان الصهيوني، ووقف كل إجراءات تهويد المدينة المقدسة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية من تهجير لأهلها"..
ولمناسبة ذكر مجلس الأمن "القدس القديمة" من المدن المحميّة من منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة " اليونسكو" وهذا أمر مدعاة للسخرية ، فالأمم المتحدّة نفسها التي لا يرفّ لها جفن لإنقاذ مقدّسات الإسلام والمسيحيّة من جرائم التخطيط والعمل على هدمها، وكانت الأمم المتحدة قد قامت قيامتها في 27 -2-2001 " بعدما أمر إرهابي"حركة طالبان الحاكمة في كابول "المُلا محمد عمر" بتدمير كل التماثيل القديمة في أفغانستان بما فيها تمثال بوذا، وبعض التحف الفريدة من الفن البوذي، جُنّت الأمم المتحدة وجمعت أمرها لتحمي تماثيل بوذا الأثرية التي اتخذت طالبان قراراً بتدميرها ،فعُقدت جمعيّة عامّة للأمم المتحدة في الدورة الخامسة والخمسون، في الجلسة العامة رقم 94 يوم الجمعة 9 آذار 2001 الساعة العاشرة صباحاً في نيويورك،وعلى جدول أعمالها البند الذي حمل الرقم 46 تحت عنوان الحالة في أفغانستان وآثارها على السلم والأمن الدوليين ولمناقشة مشروع القرار79.L/ 55/A، وأعلن كاستروب ممثل ألمانيا عن صدمته وذهوله وازدياد غضبه لبدء طالبان بتدمير المقدسات غير الإسلامية لاسيما التماثيل البوذية النادرة في باميان ، وقد مرّ على التماثيل تاريخ يمتد 1500 سنة وتحدّث عن الاتحاد الأوروبي السويدي شوري بنشيج حضاري مأوساوي واصفاً مزيج الذهول والصدمة والترويع الذي شعر به الاتحاد الأوروبي لبدء تدمير التماثيل، ولم تتأخر في الحديث كلّ من اليابان وسريلانكا وبوتان والهند وغواتيمالا ومصر وكوريا وباكستان وإيران وتايلاند وأوكرانيا وموريشيوس والنيبال وكمبوديا وكولومبيا،وهبّت اليونيسكو لتقوم بواجبها فأرسلت بيير لافرانس مبعوثاً خاصاً ليحث طالبان على عدم تنفيذ تدميرها الهمجي لتماثيل الحضارة،وبعد كل هذا التفجّع والقلق والحزن أقرت الأمم المتحدة قرار "55/243 " ضد تدمير المعالم التاريخيّة والآثار في أفغانستان"…
كنيسة المهد لم تشهد أيّ عملية ترميم منذ أكثر من مئة سنة. مياه الأمطار تتسرّب إلى داخل المبنى المتداعي الجدران والمهدّد سقفه بالانهيار، فيما تعوق خلافات الطوائف الثلاث كل عملية ترميم ، وقد نفّذ الترميم الأخير للكنيسة كان على يد رونالد ستورس، الحاكم العسكري البريطاني عام 1917. فعندما زار الكنيسة، رأى ستورس الجدار الحاجز المبنيّ أمام الهيكل على يد الروم الأرثوذكس عام 1842، الذي يشوّه الكنيسة بأكملها فكان من الضروري هدمه. وبعد جدل طويل، تمكّن ستورس من إقناع الطوائف الثلاث بهدم الجدار، وآخر خلاف وقع بين الطوائف كان عشية عيد الميلاد العام الماضي، حينما حاولت إحدى الطوائف دقّ مسمار في أحد جدران الكنيسة لتعليق أيقونة، مما كاد يؤدي إلى حرب بينهما.
وكنيسة القيامة من أعرق كنائس بيت المقدس ،استغرق العمل في بنائها أحد عشر عاما إذ بدأ بدأ عام ثلاثمائة وخمسة وعشرين وانتهى عام ثلاثمائة وستة وثلاثين للميلاد، وتعرضت على مدى التاريخ لاعتداءات عدّة فعام 614 م غزا الفرس مدينة القدس وأضرموا حريقاً في مبنى الكنيسة وقاموا بسرقة الصليب الحقيقي ولكن سنه 629م دخل الإمبراطور هرقل القدس منتصراً وأعاده لكنيسة القبر المقدس ، وعام 638 م حمى الخليفة عمر بن الخطاب )رضي الله عنه( كنيسة القيامة يوم قال لبطريركها:"إذا صليت داخل الكنيسة سيقول المسلمون هاهنا صلّى عمر ويبنون عليها مسجداً "، وفي 18 تشرين أول سنة 1009قام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بتدمير جميع كنائس القدس ومن ضمنها كنيسة القيامة واستغرق الإمبراطور البيزنطي قسطنطين التاسع مونوماخوس 40 عاماً من المفاوضات لإبرام معاهدة سلام أعطته الإذن بإعاده بناء كنيسة القيامة سنه 1048م ، وشب حريق هائل سنه 1808م ألحق الضرر الكبير بمبنى الكنيسة فانهارت قبه المبنى المستدير، ومحق المعالم الخارجية للهيكل،ومنذ ترميمات 1555م ( التي قام بها الفرنسيسكان ) فإن السيطرة على كنيسة القيامة تأرجحت بين كنيسة الروم الأرثوذكس، وبين طائفة اللاتين ( الفرنسيسكان ) وهذا المر تعلق بقدرة كل طرف على تحصيل فرمان محاب لها من الباب العالي ( الإمبراطورية العثمانية ) يوسع سيطرتها، وفي سنه 1767م وبعد أن سئم الباب العالي من نشوب الشجارات، وكذلك من العنف المصاحب لها فرر إصدار فرمان يقسم الكنيسة بين الطوائف المدعية، وقد تم التأكيد على هذا بإصدار فرمان آخر سنه 1822م والذي مهد الطريق لوضع ستاتوس كفر مما جعل ترتيبات التقسيم بين الطوائف دائمة ، وفي كانون أول (ديسمبر) عام 1994 م اتفق رؤساء الطوائف الثلاث على القيام بأعمال الترميم في القبة التي فوق القبر المقدس. أعدّ التصاميم الفنان الأمريكي "آرا نورمارت"، وقد تولّت »البعثة البابوية في سبيل فلسطين« الإشراف على الأعمال حيث حازت على ثقة الطوائف الثلاث بفضل عدم محاباتها للجميع .
والعالم المسيحي يبدو أن وضع انقساماته لا يقلّ مأساوية عن وضع العالم الإسلامي، فيما دول الغرب باتت دولاً علمانيّة، تحكمها المصالح السياسية مع الدولة الإسرانيلية، والفاتيكان بالكاد أنجز مصالحته مع اليهود وهو بغنى عن أزمة معهم ، وليس إلا مسيحيي الشرق قد يهبون دفاعاً عن كنيسة القيامة، إلا إذا كان ما بين أهل الكثلكة والمورنة والأرثوذكس يماثل ما بين الطوائف الثلاث التي تتنازع السلطة على كنيسة القيامة وقد تنشب حرب من أجل "دق مسمار لتعليق أيقونة"!!
( غداً [2/2] المسجد الأقصى :التهويد المستمر منذ دافيد بن غوريون)