كانت باريس عند حسن ظنّ اللبنانيين بها، فأَولت الوطن الصغير الدائم القلق والاضطراب اهتماماً خاصاً وكبيراً. واكدت خصوصيَّة العلاقة بين لبنان وفرنسا بالاستقبال المميز الذي خصَّت به الرئيس سعد الحريري.
كرَّمته والوفد المرافق له على أساس أنها تكرمٍّ عَبْره كل لبنان بكل ما يمثّل، وكل اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم وطوائفهم وفئاتهم، مؤكِّدة من جديد دعمها غير المحدود، وعلى كل الصعد، وفي شتى الميادين.
والالتفاتة صوب "الصفحة الجديدة" داخلياً وسوريّاً فهمتها العاصمة اللبنانيَّة كما أرادتها وعنتها العاصمة الفرنسيَّة. وحرفيّاً. وكذلك رئيس الوزراء اللبناني الذي يرث عن والده هذا الدور المثقل بالمسؤولية، وهذه الصداقة المعتقة كنبيذ خوابي بوردو.
ولكن، وعلى رغم الارتياح الذي تحدثه المبادرات الفرنسيَّة في النفوس المشوَّشة، لا بدَّ من التذكير بان لبنان لا يستطيع البقاء رهين المحبسين إلى ما لانهاية:
محبس التناقضات الداخليَّة والمدججة بالهجمة الطوائفية على النظام الذي ينتفون ريشّه ريشة ريشة، ويفرِّغون نظامه الديموقراطي من كل ما يجعله قبلة أنظار المنطقة، ومحبس السلاح المكدَّس في كل أرجاء الجمهوريَّة. داخل الدويلات وخارجها. داخل المخيّمات وخارجها. داخل النفوس وخارجها.
كما لا يستطيع البقاء شاهد زور. أو شاهداً ما شفش حاجة. أو شاهداً ممنوعاً من الادلاء بشهادة حق، إزاء شهادات مقيمة ووافدة يُراد بها باطل.
هذا الكلام لا بدَّ منه ومن التوقُّف عنده. وهذا الوضع الشاذ جداً، والواقف على شوار بصورة شبه دائمة، لا يجوز القفز من فوق خطورته، وتجاهله، وصبٍّ الاهتمام على خفض سن الاقتراع، أو تقسيم العاصمة وتقسيم الجبنة.
فثمة ما هو أهم وأبدى وأكثر إلحاحاً واكثر تأججاً. فالوطن الرسالة الذي بالكاد اصبح خارج كرنتينا جورج شولتز، وخارج غرفة العناية الفائقة، وخارج لعبة الامم ولو لساعات وأيام، وخارج ساحات المواجهة وزواريب سياسة المختار والناطور، يكتشف في هذه المرحلة "الانتقاليّة" انه لا يزال مقيماً في جوار براميل البارود والألغام.
وهذه الحقائق والوقائع لم تغب حتماً عن بال باريس، ولن تغيب أبداً عن اهتمامات سعد الحريري، سواءً أكان في باريس أم في أنقرة أم في الرياض أم في أبو ظبي أم في القاهرة أو في كل عواصم الدنيا.
وهو يدرك جيّداً أن عودة الدولة والمؤسّسات والقوانين والانظمة إما ان تكون كاملة وثابتة ونهائية، وإما ألا تكون دولة ولا تكون مؤسسات وقوانين.
من تحصيل الحاصل الاشارة، هنا، الى انه حان وقت عودة الدولة الواحدة الوحيدة ليكون هناك لبنان واحد وحيد، وسلطة واحدة وحيدة، ومرجعيَّة واحدة وحيدة لكل اللبنانيين والمقيمين على الاراضي اللبنانيَّة.
وعلى أساس حصر كل المسؤوليَّات بالمؤسّسات والسلطات والدوائر الرسميَّة، وحصر كل السلاح بكل انواعه و"هويّاته" واسمائه بهذه الدولة وهذه المؤسَّسات من دون سواها.
هذه المواد والبنود والعناوين ليست بنت الساعة ولا تُعالج بساعات. وليست خالية من المطبّات والأشواك والتعقيدات التي لا حصر لها. هذا صحيح.
الا ان استمرار التعامل معها على طريقة النعامة سيُبقي كل الابواب مشرَّعة لدخول الريح، وكل الاحتمالات المفتوحة على الأهوال واردة.
ولا مفرَّ من أن تكون ثمة بداية، سواء من طاولة حوار أم من اجتماعات مصارحة ومعالجات واضحة.
وإلا سيُبقى كل شيء تحت الطاولة، مثلما تبقى النار تحت الرماد.