إسرائيل تحمّل لبنان مسؤولية سلاح "حزب الله" وليس مرسليه
أي قيمة للقوة الدولية… وهل المقصود إسقاط الـ 1701 ؟
إلى متى يظل اللبنانيون يعيشون هاجس الخوف من حرب اسرائيلية على بلدهم أو من حرب اسرائيلية على ايران سيكون لبنان ساحتها أيضاً؟ والى متى يظلون يعيشون على المسكنات والمهدئات ولا صورة واضحة لمستقبلهم، أو يعيشون هدنات مفتوحة على المجهول؟
الرئيس الحريري أعرب في حديث الى صحيفة "الموند" الفرنسية عن خشيته من وقوع "عملية اسرائيلية في لبنان"، مشيراً الى الطلعات الجوية الاسرائيلية الكثيفة فوق الاراضي اللبنانية في الفترة الأخيرة. وقال إن "في إمكان اسرائيل أن تتحجج بأي أمر، لا بل هي لا تحتاج الى ذرائع ولا تفعل شيئاً من أجل عملية السلام"، متسائلاً: "هل تعتقد اسرائيل أنها عندما تضرب البلاد او الضاحية، لا تعتدي على لبنان بكامله؟"، وهي المرّة الأولى التي يعبّر فيها عن خشيته هذه.
وعندما زار الرئيس الحريري الولايات المتحدة الأميركية وتركيا بلغته معلومات تحذر من احتمال حصول عدوان اسرائيلي على لبنان.
والسؤال الذي يطرحه اللبنانيون باستغراب هو: لماذا لبنان دائماً هو هدف اسرائيل؟ هل لأنه الحلقة الأضعف فأصبح مكسر عصا، وأن ضربه لا يشعل حرباً في المنطقة، في حين أن ضرب سواه قد يشعلها؟ فعام 1982 اجتاحت اسرائيل جنوب لبنان وبلغت في اجتياحها العاصمة بيروت ظنا منها أنها تقضي على الآلة العسكرية الفلسطينية التي تتحرك من لبنان، فكانت النتيجة أنها دمرت لبنان ولم تستطع تدمير هذه الآلة التي ظلت تعمل بشتى الوسائل، وان بشكل محدود، ولا تزال حتى الآن. وفي 2006 تذرعت بخطف "حزب الله" جنديين اسرائيليين، فشنت حرباً على لبنان بدعوى أنها ستقضي على البنية العسكرية للحزب، فكانت النتيجة ان الحزب ضاعف تزوّده الأسلحة الثقيلة والمتطورة، بينما تحمّل لبنان خسائر بشرية ومادية جسيمة، ودُمّرت كل الجسور فيه وهو لا يزال حتى الآن يعيد اعمار ما دمّر، والنتيجة أن الحرب استهدفت كل لبنان أكثر مما استهدفت "حزب الله".
وها ان اسرائيل تتذرع لشن حرب جديدة على لبنان بحصول "حزب الله" على أسلحة متطورة من إيران عبر الأراضي السورية. وبدل ان تهدد مصادر السلاح فإنها تهدد لبنان الضعيف الذي لا علاقة له به، تماماً كما كانت تفعل في حرب تموز 2006، فالشاحنات التي كانت تنقل الاسلحة الى "حزب الله" لم تكن تقصفها اسرائيل وهي في الطريق الى لبنان، بل كانت تقصفها عندما تدخل الأراضي اللبنانية. فما معنى ذلك. أليس لأن "جحا غير قادر إلا على خالته" وان ما يهمها هو تدمير لبنان كلما عاد ووقف على قدميه وليس تدمير سواه، لأنه يشكل منافساً قوياً لها في مجالات عدّة؟
ولو أن تدمير لبنان كان يكفي لتحقيق سلام شامل في المنطقة، لقبل لبنان أن يفتدي ذاته لبلوغ ذلك، لكن كل حروب اسرائيل لم تنته الى تحقيق هذا السلام بل الى مزيد من الحقد والكراهية لها، لأنها ترفض أن تقوم بأي خطوة من أجل مسيرة السلام، وليست مهتمة بمفاوضات السلام بدليل أنها تصر على الاستمرار في بناء المستوطنات كي تحول دون معاودة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. بحيث لا تبقى أرض فلسطينية محتلة للتفاوض على الانسحاب منها، فتكون اسرائيل بذلك قد فرضت أمراً واقعاً على الأرض، ليس في الضفة الغربية فحسب، بل في القدس أيضاً، إذ تعمل بسرعة على تهويدها، ولا هي مهتمة بمفاوضات مع سوريا، لأنها ترفض التعهد بالانسحاب من هضبة الجولان، مع أنها تعدّ أحياناً بذلك ثم تتراجع عن وعدها. وعندما وصلت المفاوضات بوساطة تركية حدّ الاتفاق، افتعلت اسرائيل حرب غزة التي كانت سبباً لوقف المفاوضات غير المباشرة للانتقال الى مفاوضات مباشرة. كما انها ليست مهتمة بمفاوضات مع لبنان، وهي الاسهل، ولا حتى بالانسحاب من جزء من قرية الغجر، ولا العودة الى اتفاق الهدنة مع لبنان إذا انسحبت من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وكأنها تريد أن يبقى المسار اللبناني متلازماً مع المسار السوري لكي تكون التسوية واحدة وشاملة…
واذا كانت اسرائيل تهدد لبنان بحرب جديدة بسبب سلاح "حزب الله" وقبل ذلك بسبب السلاح الفلسطيني ولا تهدد الدول التي ترسل اليه هذا السلاح بالحرب، فما هي الاهداف التي ستحققها اسرائيل من حرب قد لا تكون نتائجها أفضل من نتائج حرب تموز 2006، اي تدمير لبنان مرة اخرى من دون التمكن من القضاء على ترسانة "حزب الله"، وحتى في حال القضاء على جزء منها فإن "حزب الله" قادر على تعويض ما يخسره من أي دولة ولاسيما من إيران. فأي هدف تكون قد حققته اسرائيل بضرب لبنان كل مرّة تريد أن "تفش خلقها" سوى تدميره مرة اخرى وسلاح "حزب الله" الذي تشكو من وجوده بكثافة وتتخذ منه ذريعة لعمل عسكري، يبقى بقوته وجهوزيته؟
لقد لفت اللبنانيين كلام لرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية عاموس يدلين يذكّر فيه بأن "حزب الله" مواظب على التخطيط لعملية انتقامية من اغتيال عماد مغنيّة الذي تصادف ذكراه الثانية في 12 شباط المقبل، وتحدث سياسيون لبنانيون عن خوف اسرائيلي من عملية لـ"حزب الله" في ذكرى مغنية، وكأنه مطلوب اعطاء ذريعة لاسرائيل للاعتداء على لبنان المغلوب على أمره، لأن اسرائيل اذا كانت هي البادئة بالاعتداء من دون أي مبرر، فسيواجهها كل الشعب اللبناني وليس "حزب الله" وحده. أما إذا اعطى "حزب الله" ذريعة لاسرائيل لشن هذه الحرب، فإن اللبنانيين سينقسمون عندئذ حيالها وستحمّل فئة منهم مسؤولية الحرب للحزب.
لذلك، طلب مسؤولون عرب وأجانب من الحكومة اللبنانية ألا تعطي ذريعة لاسرائيل كي تعتدي على لبنان لأنه لا يعود في مقدورهم الضغط عليها لوقف الحرب، هذه الحرب التي تطرح سؤالاً مهماً هو: ما قيمة وجود القوة الدولية في الجنوب اذا كانت لا تستطيع منع الحرب ولا فرض السلام أو حتى حفظه والمحافظة عليه، وما قيمة القرار 1701 اذا لم ينفذ منه سوى وقف الاعمال العسكرية ولم يتم الانتقال بعد الى مرحلة وقف شامل لاطلاق النار؟ فهل تكون الحرب الجديدة في حال وقوعها اسقاطاً لهذا القرار والبحث عن قرار آخر، ام تكون حرباً لتنفيذه بكل مندرجاته؟
إن على الحكومة أن تهتم بكيفية مواجهة حرب محتملة او العمل على تجنيب لبنان اخطارها قبل ان تهتم بأي موضوع آخر، لأنه يبقى تافهاً أمام هذه الاخطار.