مؤلم جداً، وخبيث جدّاً، الصمت الذي لفّ العالمين العربي والإسلامي بعد النّداء الأخير الذي أطلقه قاضي قضاة فلسطين الشيخ تيسير التميمي، والأب عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس؛محذريْن من بلوغ الحفريات الإسرائيليّة مرحلة دقيقة تسرّع عمليّة انهيار المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وهذا الصمت الخبيث كأنه جزء لا يتجزّأ من هذه الحفريات!! فلا جامعة الدول العربية "المحتضرة" ـ المحتضرة صفة تعود إلى الاثنتين: الجامعة والدول العربية ـ ولا منظومة الدول الإسلاميّة المشلولة بفعل الشقاق والصراع الذي زرعته إيران بنجاح كبير في قلب العالم الإسلامي بحيث نقلت الصراع من صراع عربي – إسرائيلي، إلى صراع عربي – فارسي لتبتزّ المنطقة العربية والعالم الإسلامي لخدمة مشروعها النووي، غير متورّعة عن استخدام القدس كمادّة ابتزاز متقدمة تغطّي بها مشروع محاولة إقامة "الإمبراطوريّة الفارسيّة" والذي سينتهي لا محالة بفشل مدمّر ومكلف للمنطقة، هذا لمن يقرأ تاريخ نهايات كل المحاولات عبر الحقبات الزمنية التاريخيّة لكلّ المحاولات الفارسيّة اليائسة!!
منذ الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها جمال عبد الناصر في إطار طموحاته في التمدّد والتوسّع تحت عنوان "القوميّة العربيّة" الانفراد بحكم العالم العربي، ومنذ ورّط العالم العربي ومصر بقراره المرتجل غير المتبصّر بإقفال خليج العقبة متّكلاً على وعود بطانته التي أوهمته بجهوزيتها للحرب، فكلّف قراره المسلمين خسارة القدس الشريف التي سقطت في يد الصهاينة، واكتفى العرب من هذه الخسارة المدويّة للمدينة المقدسّة بالغناء على أطلال خسارتها، فيما استغرق الشعب المصري في النحيب لا على كارثة ضياع سيناء وانسحاب الجيش المصري مهزوماً مكشوفاً للطيران الإسرائيلي الذي طارده في الصحراء، بل على ذلك الخطاب الشهير خطاب التنحي والعودة إلى صفوف الجماهير!!
في القدس كان المشهد مختلفاً في حزيران العام 1967، فمنذ ذلك التاريخ بدأت عملية تهويد القدس والسعي لتدمير المسجد الأقصى، فبعد سقوط القدس في يد الإسرائيليين. حينها، اصطحب الجنرالات المدغدغين بنشوة النصر السهل، مرشدهم الأيديولوجي دافيد بن غوريون من خلوته في صحراء النقب ودخلوا إلى البلدة القديمة في القدس.
توجّه الجنرالات إلى حارة المغاربة حيث الحائط الغربي للمسجد الأقصى، حائط البُراق، وكانت اللحظة المؤثرة للجنود الذين "اكتشفوا" حائطهم (حائط المبكى)، ولم يتمالك دافيد بن غوريون لحظتها حقده فعمد إلى نقش عربي وأزاله عن الحائط، منذ تلك اللحظة بدأت عملية تهويد حارة المغاربة وابتداع مبدأ حائط المبكى.. وفي اليوم التالي العاشر من حزيران 1967، هدمت الجرافات الإسرائيلية حارة المغاربة على رؤوس سكانها، بعد إمهالهم ربع ساعة فقط لإخلاء بيوتهم، ووفقاً لاعترافات المشرف على الهدم يومها، فقد رُميت جثث أهل القدس مع الأنقاض، وبالإضافة إلى الضحايا الذين سقطوا تبدد في تلك اللحظات تراث عمره ألف عام… ومنذ ذلك التاريخ لايزال العرب يتجاهلون "القدس" اكتفوا هذا العام فقط بإعلانها عاصمة "معزولة" للثقافة العربية، ومن عمائهم لم يحاولوا حتى المناضلة في المحافل الدوليّة على إتاحة زيارتها الدينية للمسلمين لكونها واحدة من مقدساتهم ولكونهم مأمورين بشدّ الرحال إلى مسجدها…
والمحزن، أن أحداً من كل فقهاء وعلماء العالم الإسلامي لم يبذل لحظة جهداً في محاولة التبصّر والتفكّر في هذا الأمر النبوي "الواجب التنفيذ" ليُدرك – وهذا اجتهاد شخصي تفكّري – أنه كان لحماية المسجد الأقصى مما يتعرّض له اليوم، بل تركوا الأمر لحماقة السياسة التي تدفن رأسها كنعامة في الحديث عن "الممانعة ورفض التطبيع"، فهل منع صلاح الدين الأيوبي الصليبيين يوم غادروا القدس من أن يعودوا ويقصدوها لاحقاً للحجّ والزيارة؟!