يُقال ومن أفواه العارفين والمسؤولين (أو غير المسؤولين) إن الادارات الرسمية بوظائف الدرجة الأولى خصوصاً، والمراتب العالية (قلتُ "العالية"!) شبه "شاغرة"، إما بحكم التقاعد، أو التفاقد، أو "التعاقد" أو بسبب "الموت"، أو ربما بسبب "الحياة"، لكن الأرجح أيضاً بسبب تضارب الوسائط والمحسوبيات والمحاصصة والملاصصة تحت ميزان الطائفية بمبتكريها العباقرة، أو المذهبية بمجدّديها، أو العائلية بمُحييها، أو القبلية بمرتجيها أو المناطقية… وعندما "نتبنى" ما يُحكى عن اسباب الشغور وعن حكاياته التي تشبه قصص الحيّات والذباب والبرغش وسائر الحشرات فيعني أن هناك طبقة ما، أو جهات ما، تذكي كل تلك الأسباب والدوافع و"الغرائز" المذكورة لكي تبقى هذه الوظائف شاغرة.. ويعني ذلك أن هذا الشغور المزمن الذي لا شفاء منه، ولا براء من أعراضه وأوبئته وسرطاناته… لا يُشبه سوى شغور يلمع بفراغه عند بعض أهل النظام الموفور "الحاجة" بهم، والمرفوع "الاقدام" بهمتهم: انه الشغور الفوقاني الذي لا يني عن الحفر عميقاً في الشغور التحتاني، لينعكس بإذنه تعالى على ما يفيض من جيوش الموظفين والمحسوبين الذين يبذرهم اهل "الفوق" في الادارات كجزء اساسي من "نفوذهم" و"مصالحهم" الانتخابية والسياسية وحساباتهم الصغيرة، بحيث يبدو فيض الادارات بالموظفين العاطلين عن العمل (عملهم الوحيد أن يقبضوا اجورهم آخر الشهر بحماية من بذرهم.. وتركهم عالة)… أي شغوراً آخر لا يقل فراغاً عما نشهده في وظائف الدرجة الأولى. شغور بالنقص من فوق يقابله شغور بالفيض من تحت؛ فلا فوق تجد من يحتاج اليه الناس ومصالحهم ولا تحت تجد من يُنتج لكي يستحق لقمته الحرام. كل ذلك نعرفه منذ عقود وربما من أيام المدارس العثمانية والانتدابات الأجنبية وصولاً الى الوصايات المتعاقبة التي لم تكتف بافراغِ كل شيء سوى الفساد وانما جعلت الدولة ايضاً شاغرة.
والغريب (قلت الغريب!) بل المدهش ان الذين دأبوا عبر انتماءاتهم المصلحية والانتهازية.. بالطوائف وبالوصايات من "عباقرة" التقسيم والكانتونات ومن أشاوس الذئاب "الكاسرة" التي لا توفر وسيلة واحدة لا تدمر فيها بنيان الدولة العادلة وسُلّم الكفاءات، والمواهب هي التي تُشرٍّع باسم اليوم (وقد افترست أيام الوصايات حصتها وحصص الآخرين باسم حقوق هذه الطائفة أو ذلك المذهب أو الحزب..) دولة الفساد والمحسوبية والسرقة والنهب والفضائح وانتهاك حقوق المواطنين (باسم المواطنين ما شاء الله!).
والسؤال الاساسي: كيف يمكن لهؤلاء "المٌنتنين" وفائضي الجيوب والأموال ومصادري العقارات والمرافئ ومحاصصي الشركات والمشاريع التجارية والانمائية ان يلقوا علينا الخطب التي تنضح بالنزاهة وان يرمونا بشعارات "تتفجر" بالاستقامة ويذروا في عيوننا كلاماً عن مصالح الناس.. ووجوب اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب، بصرف النظر عن انتمائه وطائفته وارتباطاته… وعلينا ان نصدقهم والأهم ان يصدقهم من خُدِعوا بهم لتتحول قضاياهم ومصالحهم الأنانية والشخصية مطالب الطائفة.. أو الحزب او الوطن!
عال! فليخبرنا هؤلاء الغيارى عن وظيفة واحدة اختير فيها الشخص المناسب لها بكفاءاته وخلقه ونظافته فالجامعة اللبنانية مثلاً هذه الجامعة الوطنية التي كانت قلعة الثقافة والعلم والابداع قبل حروب اللصوص والعملاء من الداخل والخارج على لبنان، أي في الستينات والسبعينات ماذا فعل بها هؤلاء "التقسيميون" و"أَكَلَة الجبنة والشنكليش"…؟ حَوّلوها مزرعة للطائفية هنا وهناك… (وما حدا احسن من حدا) واسطبلاً للجهلة والاميين والمتعصبين والوكلاء المحسوبين عليهم.
هل تتصورون ان "دكتوراً" تعب على نفسه في ارقى الجامعات وتفوق في الخارج يجب عليه لكي "يدخل" الى "جنة" الجامعة اللبنانية ان يركع عند زعيم هذه الطائفة او تلك… ويعلن ولاءَه "العلمي" له أو يطرح شهاداته العالية عند قدمي ذلك المرجع الأمي… لكي يُعين "استاذاً" في هذه الكلية او ذاك المعهد… اذا كان الأمر كذلك في الصرح الجامعي الذي ناضلت الحركة الطالبية في الستينات والسبعينات لبنائه ثم ورثه أهل الحروب والتخلف والطائفية فماذا تقول عن الادارات الاخرى؟ قد تغض الطرف عن فساد في هذه الادارة ولصوصية وجهالة.. ولكن ان تكون الجامعة اللبنانية نفسها، معقل العلم والتنوير والثقافة والاختصاص ومستقبل البلد… بؤرة للتخلف او سوبر ماركت يملكها تجار الطوائف والمذاهب والقضايا، فهذا مرعب!
وماذا يرتجى من جامعة قسّمها اهل الحروب على مقاساتهم الكانتونية وبازاراتهم الرخيصة وهل ننسى تلك الفضائح المجلجلة عن تزوير شهادات تَخَرُّج ودكتوراه او عن تعيين أشخاص لا هم في عير العلم ولا في نفير الاختصاص: كل مواهبهم انهم أزلام هذا الزعيم أو ذاك المرجع الفاسد؟ اذا كانت الجامعة "زبدة" المعرفة على هذه الشاكلة (شاكلة من يعلقون صورهم البهية وشعاراتهم التافهة على جدرانها) فما هي احوال بقية الادارات: الاقتصاد، الثفافة، التربية، الكهرباء، الزراعة، المؤسسات الامنية؟ وهل يمكن الا ان تكون اسوأ. فليذهب المواطن الى اي دائرة ليسّوي معاملة او مسألة عالقة: مغاور علي بابا.. والله! أطنان من اللحوم الفاسدة تتربع بخمولها وفسادها على كراسٍ باتت اكثر خمولاً من الجالسين فيها. وعندما تتقدم من هذا الموظف "العبقري" تعرف احياناً الجواب سلفاً "تعا بكره" وتأتي انت "بكره" فيقول لك إن المستندات ناقصة.. وتكمل المستندات فيتذرع بمستندات أخرى ثم تجلب له ما طلبه فيحيلك على موظف آخر قد يكون موجوداً أو غير موجود والأرجح انه غائب أو يأكل عدة صحون من الفول والحمص في غرفة أخرى.. أو في مقهى او في مطعم. وعندها تتدارك: تعرف ان هذه "الكتلة" السوداء التي تجالس طاولة "مكتظة" بالغبار.. وبالمعاملات يحتاج الى "وقود" لكي يُشغل يديه وعقله وبطنه وينهي المعاملة: تمد يدك الى جيبك وتسحب خمسين دولاراً او مئة.. او بحسب ظروف ذلك الموظف وكرامته ونزاهته ورفعته وقيمته وتدسها في كفه النظيفة.. وعندها يتغير كل شيء: ولو يا استاذ تفضل، تفضل شو بتشرب؟ يا أهلاً، يلا لحظة وبلحظة سحرية يقضي حاجتك بوجه بشوش كمنقوشة يابسة… وتحمل معاملتك الى موظف آخر لاستكمالها.. وتجد السيناريو ذاته… وشخصية الموظف ذاته مقمصة في سواه.. والرشوة ذاتها.. حتى يتكرموا عليك بعد لأي وجهد ويضعوا حداً لمشقاتك وقرفك.
هذا ما يجري في بلادنا، ومن لا يصدق فليجرب! وسيكتشف ان هؤلاء الفاسدين والمرتشين محميون من زعماء مناطقهم أو احزابهم أو طوائفهم: وتجرأ مرة وقَرِّرْ الا تدفع "بقشيشاً" او رشوة… في مثل هذه المناخات المستديمة يتحرك اهل الربط والحل واصحاب "الشركات" الوطنية والبازارات المذهبية ليبنوا ادارات تكون في مستوى أحلام اللبنانيين والطموحات الوطنية. هذا فيما يخص الرشاوى والفساد والسرقات فما بالك بعناوين التعيينات (بصرف النظر عن اي مستوى أو كفاءة) كوضع آليات أو "التوازنات" الوطنية وحرمان الطوائف… وحقوق المرجعيات "المقدسة". عندها تتجاوز المسألة الحسابات الصغيرة (بنظرهم) لتدرك مصير الوطن والطائفة والارض ومواجهة الوصايات. تصبح القضية "كبيرة" يا أخوان : فتعيين مدير هنا قد يضع البلاد على كف العفاريت! وربما على شفير حرب أهلية لا تبقي ولا تذر وراءها ما وراءها، ولا بأس اذا اجترح بعضهم آلية هنا أو مضاربة هناك.. او مرابعة او مثالثة أو مُواقعة، أو مُفاجَعَة.. فهذا يقوي نفوذه في "سوق النخاسة".. ويكسبه اوراقاً "مبدئية" (تعرفون اهل المبادئ جيداً ممن دخلوا السلطة فارغي الجيوب ثم صاروا مليونيرية او مليارديرية… باسم حقوق الطوائف الكريمة! (ونظن ان هؤلاء الممتلئي البطون والجيوب من دم الناس وأتعابهم، انما يبدأون أولاً بسرقة طوائفهم "ثم يوسعون مشاريعهم كشركات عابرة "الوطن" ليسطوا على ما تيسر من اموال الشعب. براو ! فيا للقناعة. ويا للوطنية. ويا لحب الاوطان: بالله عليكم اعزفوا النشيد الوطني!
ان الحد الأدنى من المعايير المطلوبة لتعيين الشخص المناسب في المكان المناسب مفقود، وإن أي كلام آخر اما يأتي من باب "التمنيات" او المراعاة أو مجافاة الواقع او التواطؤ. وقد انحدر هذا الحد الأدنى في السنوات الأخيرة الى حضيض الحضيض بل الى وحل الوحول… باعتبار ان هذه المعضلة عرفت بعض الحلول في فترات قليلة، ايام الرئيس فؤاد شهاب وربما بعده، من خلال تحديد بعض الأسس التي تنبني عليها مواصفات التعيينات الادارية… وعندما جاءت الحرب وقضت الميليشيات ومن وراءها من شذاذ بعض الأنظمة العربية وغير العربية على كل شيء، لم يعد عندنا لا ادارات ولا حكومات ولا نواب ولا شيء يذكر: بقيت آثار تراكمات من العهود السابقة في العقول والنفوس، وامثولات من عهد الميليشيات فأضيفت الى تواريخ الفساد والاستباحة لتزيدها سواداً وقتامة، اذ برز عنصر جديد رائع يتمثل بتسلم زعماء الميليشيات أو من "انتصر" منهم بعون اسرائيل أو "الوصايات" العربية المهزومة في بلادها والمظفرة عندنا… واذا عرفنا (وكلنا يعرف كيف نهبت الميليشيات الأسواق والمرافئ والمنازل والاراضي والمشاع والواجهات الساحلية والبحرية والرمول ونظفت البلاد من كل شيء ما عدا الفساد والعمالة والقتل) أدركنا مدى "سماكة" وكثافة هذه المعضلة اليوم وامتداداتها أكثر من مئة عام والأجمل من كل ذلك ان المصالحات التي بدأت قبل عقدين من الزمن وسياسة التوافق و"الوحدة الوطنية" ابقت كل شيء على حاله في الادارات. اكثر: بنت على روحية "ضرب الكم" "رؤياها" الاصلاحية من دون ان ننسى تلك الشعارات الفضفاضة اللماعة الكاذبة "المحافظة" في التعيينات على "حقوق الطوائف" و"الانماء المتوازن" ولم ينسوا التفوه بهذه اللازمة الزجلية "الرجل المناسب في المكان المناسب"! (كأنما هؤلاء"الكبار" بقوة الخارج هم المناسبون في الامكنة المناسبة!) اذاً نحن اليوم على مواعيد واحتفالات وأعراس "التعيينات" العتيدةّ ! وأكثر ما "يطمئننا" مواكبة هذه "الحِدثان" للمصالحات وتبويس اللحى والمناخير والأضراس.. وهذا لعمري يعزز الروح المسؤولة والوطنية التي يستلهمها او يستوحيها "بابازات" الأحزاب والطوائف لاقتسام ما يتيسر من اقتسام وانتهاب ما يتوفر من حصص، ومُلاصصة ما يتأمن من لحسٍ من هنا، أو نشل من هناك، أو تزوير او فجور (سياسي) من هناك!
وسنسمع قبل ان يطوى ملف التعيينات (كما اثير) تراتيل واناشيد ومواويل وزجليات وارشادات ومواعظ وعظات تنضح بالزهد عند هؤلاء المذكورين وبالنزاهة وبحب الوطن حتى افتدائه بالارواح والأكباد والفِشش والكبة النية والكراعين… لكي لا يصاب "التوازن" الوطني بالخلل.. وفي مثل هذه الأحوال علينا ان نصدق هؤلاء عندما يعبرون عن حبهم لوطنهم (خصوصاً في اثناء المفاوضات) وعن دفاعهم عن حقوق طوائفهم ابان التعيينات. وفي الواقع، وكما اخبرتنا تجارب عقود من السنوات وأكثر ان كثيراً من هؤلاء يحملون عدة اوطان في "جيوبهم" وفي كراسيهم.. يسحبون وطنهم هذا او "وطناً" آخر بحسب الطلب والحاجة.. والمصلحة الشخصية. وقد اخبرتنا التجارب ان "هؤلاء" لا وطن لهم. كما اخبرتنا ان الذين يدعون تحصيل حقوق طوائفهم انما يستغلون هذا الشعار لحرمان طوائفهم من كفاءاتها أولاً، ولفرض محازبيهم من داخل طوائفهم على حساب آخر من انتماءات أخرى: فالتعيينات كما علمتنا الأيام هي "تناتشات" بين الأحزاب وطوائفهم. وما علينا سوى رصد بعض الدوائر أو الإدارات التي يسيطر عليها هذا الزعيم أو ذاك، لنكتشف أن معظم الموظفين فيها هم من أنصار الزعيم المذكور… بجهلهم وفسادهم وليسوا من خيرة ابناء طائفته!… فحصة "الطائفة" ليست للطائفة بل لزعيمها، وكم سَبَّب هذا التسابق الى المناصب نزاعاً بين "قيادات" الطائفة الواحدة أو المذهب الواحد!
ومع هذا يضحكون علينا ويحاولون (بغباء وشطارة وجشع) إقناعنا بنزاهتهم وترفعهم… وتالياً بدقة اختياراتهم في التعيينات الادارية، وموضوعيتها وهاجسهم ببناء وطن يليق بهم وبتاريخهم (تعرفون جيداً تواريخ بعضهم. ولو!).
فهل نرسم صورة سوداء لهذه المسألة المزمنة: انتشاءم من امكانية بناء ادارة جديرة بالناس وبمصالحهم تتمتع بالعلم والاختصاص والكفاءة والنزاهة… لتخدم المواطنين كلهم بضمير اجتماعي ووطني؟ نحن هنا نكتب ما نعرفه.. ولكن لا بد من ايجاد بصيص امل او محاولات جديدة لكسر هذه الأطواق والشروع في خطة الاصلاح.. لا سيما في هذه الحكومة ونتمنى.. ولكن بحذر من لُدغ من الجحرِ مرات لا تحصى!
وفي هذا الاطار وبعيداً عن التعميم وانسجاماً مع الواقع الراهن تبدو "المحاصصة" العادلة اليوم "ابغض الحلال" واذا تمت على اسس الكفاءات بين المجموعات وليس على العكس ربما تكون معبراً الى الغائها في حال استنفرت الأصوات المدنية غير الطائفية في المستقبل. نقول ذلك، (وربما من باب أنها اقل السوء اذا ما قورنت بالعهود السابقة، عندما كانت "المحاصصة" احادية لاتباع الوصايات المتعاقبة) لأن هناك احابيل تنسج باستكمال محاولات طمس انتصارات الأكثرية من خلال "ابتكار" آليات تتم فيها مصادرة الاقلية البرلمانية انجازات الاكثرية والسطو على التعيينات وملئها بالانصار بعيداً عن منطق "الديموقراطية" والاعتراف بهزيمة الاقلية.. بل كأن بعض "الآليات" المطروحة كمخارج مفخّخة في مواجهة "المحاصصة" (وهذه الآخرة اقل سوءاًَ من ذهنية تسجيل غلبة القلة على الكثرة) ليست أكثر من نسف الحقوق التي تتيح الأكثرية اللبنانية بالمواقع المناسبة والمطلوبة لابعاد من يريد استكمال السيطرة على المواقع الادارية والسياسية بالحيلة بعد هزيمة انتخابية مدوية.
فكأننا، وبرغم معارضتنا المبدئية للمحاصصة.. لا بد من اختيار الأقل شراً ازاء الأكثر ضرراً وانتهاباً لمنطق المعادلات الديموقراطية (وإن طائفية) خدمة لروح استبدادية.. لن نشفى منها في القريب العاجل، باذنه تعالى.
وهكذا يمكن وبشيء من الجواز التمييز بين المحاصصة والملاصصة!