#adsense

ٳلغاء الطائفية السياسية وٳلغاء القرار 1559 وجهان لعملة واحدة

حجم الخط

يأتي طرح موضوع ٳلغاء الطائفية السياسية في توقيت مُستغرب داخلياً وخارجيا. فالتوتر الٳقليمي على أشدّه وهو في تصاعد مستمر على خلفية الملف النووي الٳيراني وتدخل ايران في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، المواجهة السنية – الشيعية في أدق مراحلها خصوصاً مع ما يجري في العراق وعلى الحدود السعودية – اليمنية وفي عدد من الدول الٳسلامية من افغانستان الى باكستان والصومال. أما الوضع الداخلي اللبناني فليس بمنأى عن هذه التوترات مع تصاعد التهديدات الٳسرائيلية اليومية بشنّ حرب على لبنان. في ظلّ كلّ هذا الغليان يعيش لبنان حالة وفاقية استثنائية يحاول الٳستفادة منها للدخول في فترة نقاهة تريحه من ثقل خمس سنوات مضت كانت من أشدّ سنوات هذا البلد مواجهة وانقساماً وقتلاً.

وفي عزّ هذه الظروف الضاغظة والمفتوحة على كل الٳحتمالات عاد أيضا القرار 1559 الى دائرة الضوء مع ارتفاع بعض الأصوات الداخلية الساعية الى اعتباره قد أنجز بمختلف بنوده وبالتالي الى إلغائه، متزامنة مع معلومات أتت من دمشق أشارت الى طلب الخارجية السورية من السفير اللبناني في سوريا ميشال خوري ٳبلاغ الحكومة اللبنانية العمل على شطب هذا القرار.

والمعروف أنّ هذا القرار صدر عن مجلس الأمن برعاية دولية، بخاصة فرنسية – أميركية، بهدف حماية سيادة لبنان ووقف انتهاك قراره وإبعاد التأثيرات الخارجية عن الشؤون الداخلية اللبنانية. كما أكّد القرار 1559 الدعوة إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها وإقامة دولة القانون التي تتولى فيها المؤسسات الشرعية اللبنانية السلطة الأمنية على كامل أرجاء الوطن شأنه شأن أيّ دولة سيدة مستقلة.

وهنا لا بد من البحث عن الغاية من ٳثارة هذه القضايا الخلافية والتي لا تحظى بالٳجماع الوطني وفي هذا الوقت تحديدا؟

يعتبر البعض أنّ استناد الرئيس نبيه بري، في طرحه تشكيل "الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية"، الى المادة 95 من الدستور، وطمأنة اللبنانيين من خلال القول أنّ تشكيل هذه الهيئة لا يعني إلغاء الطائفية السياسية فوراً، حيث أنّ القضية تحتاج الى عقود طويلة، هو محاولة لفرض أولوية على النقاش السياسي تلهي عن موضوع مناقشة السلاح خارج الشرعية.

والسؤال المطروح هو لماذا يستمر الرئيس بري بطرحه بعد أن تبيّن أنّ اقتراحه لا يحظى بالموافقة اللازمة لتمريره، وقد رفضه حلفاؤه قبل باقي الأفرقاء. ولماذا أشار في مؤتمره الصحافي الأخير الى أنّ عدم تشكيل "الهيئة الوطنية" سيعني تعطل تطبيق مواد دستورية أخرى مرتبطة بالمادة 95؟ وهل يمكن أن يكون الهدف من إثارة هذه الٳشكاليات يحمل في طياته في مكان ما فتح الطريق أمام وضع ملف تعديل اتفاق الطائف على الطاولة؟ وهنا الخشية من أن يكون المقصود هو العمل على تثبيت "الأمر الواقع" الذي فُرِض بعد 7 أيار 2008 في تعديلات دستورية.

فهل تكون الغاية من طرح تشكيل "الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية" التصويب على اتفاق الطائف؟ ٳذ ما المانع اذا لم يتم السير بهذا الموضوع، أن يُقال إنّ الطائف لم يعد صالحاً للتطبيق ويجب اذن العمل على وضع اتفاق جديد يراعي التغييرات التي حصلت خلال العشرين عاماً الماضية؟ وفي هذه الحال فٳنّ "اتفاق الدوحة" والذي يُعدّ اتفاق أمر واقع، حصل بالٳكراه، سيكون المنطلق لأيّ اتفاق جديد يتمّ البحث فيه عن تعديل للصيغة الناظمة للعلاقة بين الطوائف في النظام اللبناني.

فمنذ أحداث 7 أيار والتسوية التي نتجت عنها، جرى إلغاء الديمقراطية البرلمانية المتعارف عليها لمصلحة ما اصطلح على تسميته الديمقراطية التوافقية، وأصبح التوافق يعني "حق نقض" تمارسه فئة أقلية منتخبة ضد فئة الأكثرية. فصار "الثلث المعطّل" عرفاً في تشكيل الحكومات، وحلّ "اتفاق الدوحة" محل "اتفاق الطائف"، وفُرِض ذلك جليا في عملية تشكيل الحكومة الأخيرة.

فهل يحاول البعض الٳستفادة من الأمر الواقع الذي يفرضه وجود السلاح بيد فئة معينة من اللبنانيين لٳعطاء الوضع الحالي شرعية من خلال تحويله الى وضع دستوري يؤدّي عملياً الى تغيير في النظام السياسي وآلياته؟ وهل تكون الدعوة الى تشكيل "الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية"، في هذا الوقت تحديداً، مدخلاً لطرح صيغة أخرى قد تؤدّي فعلياً الى تكريس الطائفية السياسية كالمثالثة مثلاً بدلاً من المناصفة؟ وهل المقصود هو وضع اللبنانيين وخصوصاً المسيحيين أمام خيارات كلّها مرّة، فإما إلغاء الطائفية السياسية وتغليب الديمقراطية العددية، وإما المثالثة، أو بقاء السلاح.

أما السعي لٳلغاء القرار 1559 فمن بين أهدافه عدم المس بسلاح "حزب الله" على اعتبار أنّ "حزب الله" مقاومة وليس ميليشيا، وعلى اعتبار ايضا أنّ هذا الموضوع مطروح على طاولة الحوار، وهو بالتالي، وحسب هذا الرأي، ليس موضع خلاف بين اللبنانيين، فيما الحقيقة هي غير ذلك كلياً. فبقاء السلاح يعتبره الرأي الآخر ابقاء لوسيلة ضغط من أجل فرض نظام سياسي جديد يتلاءم مع القوة المادية قبل العددية التي يعتبر نفسه الفريق الشيعي قد بلغها. وبإلغاء القرار 1559 كما يحلم البعض يكون تمّ التغاضي أيضا عن استمرار السلاح الفلسطيني كما يشتهي أبو موسى ومن وراءه.

وبناء على هذه القراءة فٳنّ التلويح بإلغاء الطائفية السياسية والمطالبة بشطب القرار 1559 يبدو أنّهما يهدفان الى بعث رسالة لمن يهمّه الأمر أنّ موضوع سلاح المقاومة هو خارج نطاق البحث وهذا هو السقف المسموح به لدى مناقشة الاستراتيجية الدفاعية على طاولة الحوار. وهذا يعتبر مؤشراً صريحاً الى قرار لدى فريق معيّن يمثل فئة طائفية بوضع يده على القرار الوطني اللبناني.

المصدر:
وكالات

خبر عاجل