#adsense

جنس الدستور

حجم الخط

كل الصخب الذي يدور في لبنان وخارجه حول الحرب بين اسرائيل و"حزب الله" لم يؤثر على الضجيج حول الدستور. وهذا امر يدعو الى العجب. لم يسمع احد من المواطنين او قرأ ان في جدول اعمال مجلس الوزراء الاستثنائي بنداً يتصل بحقيقة التهديدات التي حلت في صدارة محادثات الرئيس سعد الحريري في فرنسا وخصوصا مع الرئيس نيكولا ساركوزي، او ان رئيس مجلس النواب نبيه بري سارع الى عقد جلسة للبرلمان كي يستمع ممثلو الشعب الى ما لدى السلطة التنفيذية من معطيات عن هذه التهديدات التي يجري تداولها في المنطقة والعالم. ما يقرأه المواطنون ويسمعونه ليل نهار هو فقط الجدل حول الدستور على غرار الجدل حول جنس الملائكة الذي دار في بيزنطية بينما كان الغزاة يدكون اسوارها ليجتاحوها لاحقا.

لا داعي بالطبع لأن يشرح المرء فائدة ان يتبين ما اذا كان الدستور اللبناني ذكراً ام انثى، بل عليه ان يراقب فحسب كيف يجري قلب الاولويات رأسا على عقب.

عندما كانت طائرة المساعدات التي ارسلتها الحكومة الى هايتي آتية قبل ايام بعدد من منكوبي الزلزال من مغتربين لبنانيين وسوريين كان السفير السوري علي عبد الكريم علي على ارض المطار يستقبل مواطنيه العائدين شاكرا للحكومة اللبنانية ورئيسها سعد الحريري "المبادرة الطيبة". هذا هو النموذج المطلوب من العلاقات بين البلدين الجارين، فهما عند الحاجة جنبا الى جنب. وحبذا لو ان السفير اللبناني في دمشق ميشال الخوري كان على المنفذ الحدودي البري في المصنع حيث دخل وخرج امين سر حركة "فتح الانتفاضة" سعيد موسى "ابو موسى" وذلك لتوجيه الشكر الى السلطات السورية لتيسيرها وصول المسؤول الفلسطيني الذي قضّ مضاجع اللبناني بالسلاح خارج المخيمات!

بالطبع هذا "شأن ثانوي" على غرار ما حمله المبعوث الرئاسي الاميركي جورج ميتشل في مستهل جولته الاخيرة في المنطقة، والتي اعلن في مستهلها من بيروت "ان لا دعم اميركيا لأي مشروع يفرض التوطين في لبنان". وهذا الحدث دخل ايضا من أذن وخرج من أذن.

حسنا، فليجار المرء اهل بيزنطية اللبنانية في اهتمامهم بجنس الدستور. ولعل من المفيد السؤال عن مذهب جورج ميتشل الذي ابلغه وزير الخارجية علي الشامي ان بلدة والدته بكاسين لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن جرجوع بلدة الوزير. وكذلك من المفيد السؤال عن طائفة ركاب طائرة المساعدات العائدة من جحيم زلزال هايتي؟ فالجواب سيساهم في مناقشات الدستور ويوضح ما اذا كان المسيحيون تحديدا قد اخطأوا مرة اخرى بالتمسك بالدستور الجديد كما اخطأوا سابقا بالتمسك بالدستور القديم قبل اتفاق الطائف.

بقليل من البراءة يمكن القول بكل ثقة ان كل امتيازات الدستور منذ كان لبنان لم تمنع طوائفه اياً تكن امتيازاتها من الذهاب بعيدا في العالم بحثا عن فرصة عيش كريمة. واذا تنبه الغارقون في جنس الدستور فسيلاحظون ان الموضوع اليوم ليس ان تتمرجل اكثرية على اقلية بل كيف يعيد الدستور من هرب حتى من نعيم امتيازات كان ينعم بها. والامر ليس محصورا بالمسيحيين وحدهم، بل هو شامل لقوم الرئيس نبيه بري الذي أمتع السامعين وهو يرد على "حليفه" العماد ميشال عون ببيت من معلقة الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم وهو:

الا لا يجهلنّ احدٌ علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

لو اراد الرئيس بري ان يقلب هذا "الغم" الذي يدفع هو شخصيا البلد في اتجاهه الى "ابتسام" لاختار من المعلقة البيت السابع وهو:

وكأسٍ قد شربتُ ببعلبك

وأخرى في دمشق وقاصرينا

بالتأكيد ان هذا البيت لا يتناسب مع تديّن حليف بري "حزب الله" لكنه يشير الى ان بعلبك وسائر هذه البلاد كانت اكثر تقدماً في الجاهلية عما هي عليه في هذا الزمن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل