لأن سوريا في فترة ترقّب وانتظار ولبنان يعيش حقبة هدوء
لا جديد يكتب في الصفحة المفتوحة بين البلدين
ماذا كتب في الصفحة الجديدة التي فتحت بين لبنان وسوريا حتى الآن، بعدما طُويت الصفحة الماضية والتي يحتاج طيّها بكل آلامها وإزالة كل آثارها من النفوس، الى وقت، لا بل الى بدء مرحلة جديدة كما وصفها الرئيس الاسد.
تقول أوساط سياسية ان ما تحقق هو تبادل التمثيل الديبلوماسي بين البلدين، وهو تمثيل لا يزال حتى الآن شكلياً ما دام المجلس الاعلى اللبناني – السوري هو الذي يشاركه هذا التمثيل في مهماته ان لم يكن هو الذي يقوم بها بدليل ان وزير العمل بطرس حرب أعاد مراسلة وردت اليه من هذا المجلس فطلب ان ترسل اليه بحسب الاصول عبر السفارة السورية في لبنان. وكل شيء يدل حتى الآن على ان سوريا ليس في نيتها إلغاء المجلس الأعلى لأنها تعتبر أن له مهمات غير مهمات السفارة السورية في لبنان والسفارة اللبنانية في سوريا وان في الامكان إعادة النظر في هذه المهمات اذا كان لا بد من ذلك في ضوء معاهدة الاخوّة والتنسيق بين البلدين. وقد رأى الأمين العام للمجلس نصري خوري في تصريح له "ان التمثيل الديبلوماسي لا يلغي المجلس الاعلى وان العلاقات اللبنانية – السورية تحكمها المصالح المشتركة للشعبين السوري واللبناني والاتفاقات الموقّعة بين الجانبين او ما يتفق عليه من اتفاقات جديدة ولا تحكمها أبداً القرارات الدولية سواء تلك الصادرة عن مجلس الأمن او عن أي هيئة دولية أخرى" (…). وأشار الى انه خلال زيارة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري لدمشق "جرى التوافق على إجراء مراجعة شاملة لجميع الاتفاقات بشكل يوصل الى صياغة رؤية كاملة مستقبلية حول افق تطوير العلاقات اللبنانية – السورية حيث تصبح أخوية ومميزة وذات بعد استراتيجي، انطلاقاً من الملاحظات حول هذه الاتفاقات وما تتضمنه من ثغرات، والبحث في الامور التي تتطلب تعديلاً وكيف يمكن تعديلها، كي يصار الى عقد سلسلة من الاجتماعات لهذه الغاية وتحديد مستواها". وذكر ان الاتفاقات "سارية المفعول بين لبنان وسوريا وعددها 36 اتفاقاً على رأسها معاهدة الاخوّة والتعاون والتنسيق التي هي ركيزة الاتفاقات ولها قوة الدساتير" (…). وهذه المعاهدة تعتبرها سوريا الافضل الا اذا كان لدى الجانب اللبناني صيغ تعطي المضمون نفسه وتؤدي الغاية نفسها والتي تؤكد مبدأ الوفاق الوطني اللبناني والعلاقات الاخوية والمميزة. وقد تم التعبير عنها في هذه المعاهدة" لكنه عارض فكرة البدء من الصفر في مراجعة الاتفاقات لان هناك "عملاً منجزاً سابقاً تنفيذاً لها" وأكد ان "مهمات المجلس الاعلى لا تتناقض مع مهمات السفارة وانما تتكامل معها".
وتوقفت أوساط رسمية وسياسية عند قول خوري "ان هناك مبدأ أساسياً يجب ان يتفق عليه في العلاقات اللبنانية – السورية وهو "ان هذه العلاقات الاخوية تحكمها المصالح المشتركة للشعبين السوري واللبناني ولا تحكمها ابداً القرارات الدولية سواء تلك الصادرة عن مجلس الامن او عن اي هيئة دولية اخرى" معتبراً ان ذلك "يشكل المرجع الذي يجب ان يعتمد في بحث الرؤى المستقبلية، خصوصاً ان هناك محاولة للنظر الى هذه العلاقات انطلاقاً من خلفيات تبنى على قرارات دولية او اقليمية او اي قرارات اخرى، وهذه لا تخدم مصلحة البلدين ولا تؤدي الى تطوير العلاقات المشتركة" (…) عدا قوله "ان كل المواضيع ينبغي ان تبحث ضمن سلة متكاملة… وان تبرمج في اطارها"…
هذا الكلام معناه بحسب الاوساط نفسها، ان لا القرار 1559 ولا القرار 1680 ولا حتى القرار 1701 تحكم العلاقات بين لبنان وسوريا بل تحكم العلاقات بين لبنان والامم المتحدة وبين لبنان واسرائيل لان ما يحكم هذه العلاقات بين البلدين هي الاتفاقات المعقودة بينهما… وهي ترفض مشاركة أي طرف ثالث عربياً كان أو دولياً… ويُفهم من هذا الموقف ان سوريا هي وراء مطالبة سياسيين لبنانيين بالغاء القرار 1559 لانه انتهى في نظرها لجهة انسحاب قواتها من لبنان، وقد انسحبت منه وبقيت القوات الاسرائيلية في بعض مناطق الجنوب وكذلك لجهة انتخاب رئيس للجمهورية، بالتمديد للرئيس اميل لحود بصورة دستورية، اما حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها كي تستطيع حكومة لبنان بسط سيطرتها على جميع الاراضي اللبنانية، فهو شأن لبناني.
وفي ما يتعلق بترسيم الحدود بين لبنان وسوريا فهو شأن لبناني سوري ولا شأن لمجلس الامن فيه كي يصدر القرار 1680 بذلك، وقد أبدت سوريا في حينه ملاحظاتها عليه منها: ان القرار يشكل امتداداً للقرار 1559، وليس هناك ما يلزم سوريا تنفيذ بنوده وهو يفتقد تالياً آلية لتطبيقه، ويحيل الموضوع على حوار واتفاق بين الاطراف المعنيين، وان القرار بوجهه السياسي يحمل سوريا مسؤولية الوضع وكل المشاكل العالقة بين البلدين والخروقات التي تحدث عبر الحدود، واعتبرت سوريا هذا القرار تدخلاً في الشؤون السياسية والعلاقات الثنائية للدول الاعضاء في الامم المتحدة واداة ضغط غير مبررة عدا انه اغفل ما سبق ان اتخذته سوريا من اجراءات لضبط حدودها مع لبنان ومنع التسلل والتهريب.
ورغم صدور القرار 1680 خصوصاً لجهة "تحديد الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا ولا سيما في المناطق التي تعتبر فيها الحدود غير مؤكدة او محل نزاع" (في اشارة الى مزارع شبعا) فإن سوريا تماطل في ترسيم الحدود وتصر على ان يبدأ من الشمال كي يطول الوقت في الوصول الى مزارع شبعا التي لها موقف معلن منها حتى الآن، وهو عدم تحديد حدودها ما دامت اسرائيل تحتلها، واسرائيل ترفض الانسحاب منها ما لم يحسم النزاع حول ملكيتها…
اما في ما يتعلق بازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، فإن سوريا رغم ان لها سلطة على هذا السلاح تعتبر الموضوع شأناً لبنانياً فلسطينياً واذا كان لا بد من بحث مشترك فيه، فليس الآن ظرفه المناسب. خصوصاً في ظل التهديدات الاسرائيلية وفي ما يتعلق بملف المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في السجون السورية فهو ملف يحتاج التحقيق فيه الى وقت بحيث يصبح هذا الملف مع مرور الوقت مفقوداً…
والسؤال المطروح هو: ماذا تنتظر سوريا كي تستجيب المطالب اللبنانية المزمنة وقد اجمع عليها اللبنانيون؟
سياسي مخضرم وله خبرة مع سوريا يعتقد بأن القيادة فيها قد تكون تنتظر الآتي:
أولاً: صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه لمعرفة ما يتضمنه.
ثانياً: متابعة نتائج الجهود والمساعي المبذولة لمعاودة المفاوضات مع اسرائيل سواء على مسارها او على كل المسارات.
ثالثاً: مراقبة نتائج التهديدات الاسرائيلية لها وللبنان ولايران.
رابعاً: متابعة نتائج المباحثات الدولية حول الملف النووي الايراني.
خامساً: متابعة التطورات العسكرية في اليمن وافغانستان وباكستان ونتائج الانتخابات في العراق وربما في السودان ايضاً…
وفي مرحلة كل هذا الانتظار، يبقى لبنان في وضع مستقر هادئ، يضع خلالها الملفات الكبرى، التي لا اتفاق عليها، جانباً، وينصرف الى الاهتمام بشؤون الناس الحياتية والمعيشية والاجتماعية وتحصين الاوضاع الاقتصادية والمالية تحسباً لكل طارئ…