أقل الخلاصات الواقعية التي يكشفها انفجار الخلاف المكتوم والمتراكم منذ الانتخابات النيابية بين الرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون هي ان المعارضة التي تمكنت من تعويض هزيمتها الانتخابية امام الغالبية بمجموعة مكاسب سياسية بفعل ظروف داخلية واقليمية وبفضل تراجعات بنيوية لدى فريق 14 آذار، هذه المعارضة نفسها توشك على الالتحاق بمصير خصومها وشركائها في التسوية. والامر لا يتصل حتماً بشكليات الخلاف والصورة البنيوية لقوى 8 آذار وشريهكا المسيحي التي يمكن ترميمها في اي لحظة لدى تدخل الحليف القوي للرابية وعين التينة، السيد حسن نصرالله. بل هو أبعد بكثير من مجرد تدارك لتفلّت اعلامي عابر، ويوغل نحو مسألة اساسية بدأت تطفو على مجمل المشهد اللبناني وتأخذ بجريرتها ووطأتها المعارضة بعد الغالبية.
ذلك ان ثمة "عبقاً" ما يتصاعد حاملاً معه رياح استحضار بيئة الانقسام الطائفي "الكلاسيكي" التقليدي كأنه البديل في سباق البدل من العبق المذهبي. هذه الاستعادة الوئيدة تتمظهر في تفلت دؤوب لملفات ذات طابع تأسيسي غالباً ما تستيقظ معها الحسابات الدفينة للطوائف الكبرى والصغرى وتعيد الصراع الداخلي الى اصوله العتيقة وركائزه الأهلية. هكذا قد يستوي الامر على معادلة لم تحسب لها المعارضة، كما سقطت شقيقتها في الوطن من قبل، أي الغالبية، في عدم التحسّب لوطأة الزمن الاقليمي. كل شيء يجري الآن نحو معادلة التفتيت من جديد. لا غالبية قوية ولا معارضة مستأسدة. الغالبية خسرت احد ركائزها واضطرت الى الانكفاء بمنطق التسوية. وها هي المعارضة بدأت تدفع ثمن مكاسب حصدتها وذهب ريحها في اتجاه آخر. كأن التعيينات والغاء الطائفية السياسية وخفض سن الاقتراع والحسابات الدفينة المتضاربة حول الانتخابات البلدية اقتحمت البيت المعارض، كما اقتحمت من قبل حسابات الملف اللبناني – السوري البيت الاكثري، وكلاهما مشرّع على الانخراط في تحدي ادارة التباينات الداخلية، ان في قلب المعسكر وان على جبهة الشراكة والتسوية مع الآخرين.
والمفارقة المذهلة في هذا السياق تتمثل في استعادة "عتيق" آخر الى جانب بعض العتيق الداخلي المحمول على ملفات الفرز الطائفي، وهو "العتيق الفلسطيني". ما ان "استراح" ابو موسى بعد عاصفته حتى زايدت عليه "الجبهة الشعبية – القيادة العامة"، بمناورات حية اسمعت بها عبر قوسايا من لم يفهم بعد معنى رفع سعر "المهر" الاقليمي والداخلي في مسألة السلاح الفلسطيني. كأن هناك من يُحرّك و"يُدوزن" ويرسل الانغام في الاتجاهات المختلفة الى ان "لبنان العتيق" يمكن استحضاره بطرفة عين.
هنا تعلو أنغام الانقسامات الحادة على الملفات الداخلية وهي تؤدي مهمتها في السخرية القصوى بواقع "حكومة الوحدة الوطنية" وهي بالكاد تقلع حذرة ومثقلة. وهناك تعلو أنغام تقدم السلاح الفلسطيني الى الواجهة بسحر ساحر وتحله في مرتبة الاولويات القسرية. والادهى من كل ذلك ان تعود غداً او بعده في قابل الايام والاسابيع تلك الانشودة المشؤومة، وعلى مشارف 14 شباط وبعده 14 آذار، من ان لبنان عاجز عن حكم نفسه بنفسه حتى في ظل تسوية سورية – سعودية قُرّت لها أعين وطربت لها قلوب وقيل فيها ما لم يقل في سلم الأعداء.
اما المعارضة التي انطلق منها الفعل وردّ الفعل، وأشعلت مجمل هذه الحمى، فهل تملك الاجابة على الحيارى في سر ارتداد الموجة عليها، ولأي حساب، ولأي مصلحة؟ أم تراها تعترف بأنها أكلت يوم أكل الثور الأبيض؟